فهرس الكتاب

الصفحة 3114 من 4102

ج / 9 ص -118- الْآخَرِ، فَإِنَّ لِلْآكِلِ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ الْإِبَاحَةِ وَيَسْتَرِدَّ طَعَامَهُ بِلَا خِلَافٍ.

وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْعِوَضَيْنِ يُسْتَرَدَّانِ. فَإِنْ تَلِفَا فَلَا مُطَالَبَةَ لِأَحَدِهِمَا، وَيَسْقُطُ عَنْهُمَا الضَّمَانُ، وَيُتَرَادُّ مِنْهُمَا بِالتَّرَاضِي السَّابِقِ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ وَأَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ. وَأَوْرَدُوا عَلَيْهِ سَائِرَ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ فَإِنَّهُ لَا يَرَاهُ فِيهَا وَإِنْ وُجِدَ الرِّضَى. قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَلِأَنَّ إسْقَاطَ الْحُقُوقِ طَرِيقُهُ اللَّفْظُ. كَالْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ وَالْإِبْرَاءِ عَنْ الدُّيُونِ. فَإِنْ أَقَمْنَا التَّرَاضِيَ مَقَامَ اللَّفْظِ فِي الْإِسْقَاطِ وَجَبَ أَنْ نُقِيمَهُ مَقَامَهُ فِي انْعِقَادِ الْعَقْدِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فرع: ذَكَرَ أَبُو سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَصْرُونٍ تَفْرِيعًا عَلَى الْمَشْهُورِ أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَصِحُّ بِالْمُعَاطَاةِ أَنَّهُ لَا مُطَالَبَةَ بَيْنَ النَّاسِ فِيهَا فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، لِوُجُودِ طِيبِ النَّفْسِ بِهَا، وَوُقُوعِ الِاخْتِلَافِ فِيهَا. هَذَا لَفْظُهُ فِي كِتَابِهِ الِانْتِصَارِ. فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ فِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ وَالثَّانِي، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ لَا مُطَالَبَةَ عَلَى كُلِّ وَجْهٍ بِهَا فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، وَإِنْ كَانَتْ الْمُطَالَبَةُ ثَابِتَةً فِي الدُّنْيَا عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فرع: الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي الْمُعَاطَاةِ فِي الْبَيْعِ يَجْرِي فِي الْإِجَارَةِ وَالرَّهْنِ وَالْهِبَةِ وَنَحْوِهَا. هَكَذَا ذَكَرَهُ الْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ وأما الْهَدِيَّةُ وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ فَفِيهَا خِلَافٌ مُرَتَّبٌ عَلَى الْبَيْعِ - إنْ صَحَّحْنَاهُ بِالْمُعَاطَاةِ - وَلَمْ نَشْتَرِطْ فِيهِمَا لَفْظًا أَوْلَى بِذَلِكَ، وَإِنْ شَرَطْنَا اللَّفْظَ فِي الْبَيْعِ فَفِيهِمَا وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ عِنْدَ الْخُرَاسَانِيِّينَ، وَذَكَرَهُمَا جَمَاعَةٌ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ أحدهما: وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ اخْتِلَافِ الزَّوْجَيْنِ فِي الصَّدَاقِ، وَآخَرُونَ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ أَوْ أَكْثَرُهُمْ يَشْتَرِطُ فِيهِمَا الْإِيجَابَ وَالْقَبُولَ كَالْبَيْعِ وأصحهما: عِنْدَ الْجُمْهُورِ لَا يُشْتَرَطُ وَهُوَ الصَّوَابُ.

قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْهِبَةِ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ قَرَارُ الْمَذْهَبِ وَنَقَلَهُ الْأَثْبَاتُ مِنْ مُتَأَخِّرِي الْأَصْحَابِ وَقَطَعَ بِهِ الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ. وَاعْتَمَدَهُ الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْهَدَايَا كَانَتْ تُحْمَلُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَيَأْخُذُهَا، وَلَا لَفْظَ هُنَاكَ. وَعَلَى ذَلِكَ جَرَى النَّاسُ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ. وَلِهَذَا كَانُوا يَبْعَثُونَ بِهَا عَلَى أَيْدِي الصِّبْيَانِ الَّذِينَ لَا عِبَارَةَ لَهُمْ. قَالَ أَصْحَابُنَا: فَإِنْ قِيلَ: كَانَ هَذَا إبَاحَةً لَا هَدِيَّةً وَتَمْلِيكًا فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ إبَاحَةً مَا تَصَرَّفُوا فِيهِ تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَا قَبِلَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ الْهَدَايَا كَانَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ وَيُمَلِّكُهُ غَيْرَهُ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ مَنْ اعْتَبَرَ الْإِيجَابَ وَالْقَبُولَ عَلَى الْأَمْرِ الْمُشْعِرِ بِالرِّضَا دُونَ اللَّفْظِ. وَيُقَالُ: الْإِشْعَارُ بِالرِّضَا يَكُونُ لَفْظًا، وَيَكُونُ فِعْلًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فرع: إذَا اشْتَرَطْنَا الْإِيجَابَ وَالْقَبُولَ بِاللَّفْظِ، فَالْإِيجَابُ كَقَوْلِ الْبَائِعِ: بِعْتُكَ هَذَا أَوْ مَلَّكْتُكَ، وَنَحْوُهُمَا مِنْ الْأَلْفَاظِ، وَفِي مَلَّكْتُكَ وَجْهٌ شَاذٌّ، حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَآخَرُونَ أَنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ لِأَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْهِبَةِ وَادَّعَى الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّهُ الْأَصَحُّ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، بَلْ الْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ. وَالْقَبُولُ كَقَوْلِ الْمُشْتَرِي: قَبِلْتُ أَوْ ابْتَعْتُ أَوْ اشْتَرَيْتُ أَوْ تَمَلَّكْتُ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَيَجِيءُ فِي تَمَلَّكْتُ ذَلِكَ الْوَجْهُ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَسَوَاءٌ تَقَدَّمَ قَوْلُ الْبَائِعِ أَوْ قَوْلُ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتُ، فَقَالَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت