ج / 1 ص -171- أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَالْوُضُوءُ أَوْلَى.
فَإِنْ قِيلَ:التَّيَمُّمُ يَكُونُ تَارَةً بِسَبَبِ الْحَدَثِ وَتَارَةً بِسَبَبِ الْجَنَابَةِ فَوَجَبَتْ فِيهِ النِّيَّةُ لِيَتَمَيَّزَ، فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أحدهما: أَنَّ التَّمْيِيزَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ وَلَا مُؤَثِّرٍ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ جُنُبًا فَغَلِطَ وَظَنَّ أَنَّهُ مُحْدِثٌ فَتَيَمَّمَ عَنْ الْحَدَثِ أَوْ كَانَ مُحْدِثًا فَظَنَّ أَنَّهُ جُنُبٌ فَتَيَمَّمَ لِلْجَنَابَةِ - صَحَّ بِالْإِجْمَاعِ. الثاني: أَنَّ الْوُضُوءَ أَيْضًا يَكُونُ تَارَةً عَنْ الْبَوْلِ وَتَارَةً عَنْ النَّوْمِ، فَإِنْ قَالُوا: وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَسْبَابُهُ فَالْوَاجِبُ شَيْءٌ وَاحِدٌ، قُلْنَا: وَكَذَا التَّيَمُّمُ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَسْبَابُهُ فَالْوَاجِبُ مَسْحُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ. فَإِنْ قِيلَ: التَّيَمُّمُ بَدَلٌ وَشَأْنُ الْبَدَلِ أَنْ يَكُونَ أَضْعَفَ مِنْ الْمُبْدَلِ فَافْتَقَرَ إلَى نِيَّةٍ كَكِنَايَاتِ الطَّلَاقِ.فَالْجَوَابُ أَنَّ مَا ذَكَرُوهُ مُنْتَقِضٌ بِمَسْحِ الْخُفِّ فَإِنَّهُ بَدَلٌ وَلَا يَفْتَقِرُ عِنْدَهُمْ إلَى النِّيَّةِ، وَإِنَّمَا افْتَقَرَتْ كِنَايَةُ الطَّلَاقِ إلَى النِّيَّةِ لِأَنَّهَا تَحْتَمِلُ الطَّلَاقَ وَغَيْرَهُ احْتِمَالًا وَاحِدًا، وَالصَّرِيحُ ظَاهِرٌ فِي الطَّلَاقِ.
وَأَمَّا الْوُضُوءُ وَالتَّيَمُّمُ فَمُسْتَوِيَانِ، بَلْ التَّيَمُّمُ أَظْهَرُ فِي إرَادَةِ الْقُرْبَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ عَادَةً بِخِلَافِ صُورَةِ الْوُضُوءِ، فَإِذَا افْتَقَرَ التَّيَمُّمُ الْمُخْتَصُّ بِالْعِبَادَةِ إلَى النِّيَّةِ فَالْوُضُوءُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَادَةِ أَوْلَى. فَإِنْ قِيلَ: التَّيَمُّمُ نُصَّ فِيهِ عَلَى الْقَصْدِ وَهُوَ النِّيَّةُ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ قَصْدُ الصَّعِيدِ، وَذَلِكَ غَيْرُ النِّيَّةِ.
قِيَاسٌ آخَرُ: عِبَادَةٌ ذَاتُ أَرْكَانٍ فَوَجَبَتْ فِيهَا النِّيَّةُ كَالصَّلَاةِ. فَإِنْ قَالُوا: الْوُضُوءُ لَيْسَ عِبَادَةً، قُلْنَا: لَا نَسْمَعُ هَذَا؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ الطَّاعَةُ، أَوْ مَا وَرَدَ التَّعَبُّدُ بِهِ قُرْبَةً إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي الْوُضُوءِ. وَفِي"صحيح مسلم"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"الطَّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ"فَكَيْفَ يَكُونُ شَطْرَ الْإِيمَانِ وَلَا يَكُونُ عِبَادَةً ؟ وَالْأَحَادِيثُ فِي فَضْلِ الْوُضُوءِ وَسُقُوطِ الْخَطَايَا بِهِ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ فِي الصَّحِيحِ قَدْ جَمَعْتهَا فِي جَامِعِ السُّنَّةِ، وَكُلُّ هَذَا مُصَرِّحٌ بِأَنَّ الْوُضُوءَ عِبَادَةٌ. فَإِنْ قَالُوا: الْمُرَادُ بِالْوُضُوءِ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ هَذَا الْفَضْلُ الْوُضُوءُ الَّذِي فِيهِ نِيَّةٌ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَا لَا نِيَّةَ فِيهِ لَيْسَ بِوُضُوءٍ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ الْوُضُوءَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:"لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ"وَذَكَرَ الْأَصْحَابُ أَقْيِسَةً كَثِيرَةً حَذَفْتهَا كَرَاهَةً لِلْإِطَالَةِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ احْتِجَاجِهِمْ بِالْآيَةِ وَالْأَحَادِيثِ فَمِنْ أَوْجُهٍ: أحدها: جَوَابٌ عَنْ جَمِيعِهَا وَهُوَ أَنَّهَا مُطْلَقَةٌ مُصَرِّحَةٌ بِبَيَانِ مَا يَجِبُ غَسْلُهُ غَيْرُ مُتَعَرِّضَةٍ لِلنِّيَّةِ، وَقَدْ ثَبَتَ وُجُوبُ النِّيَّةِ بِالْآيَةِ وَالْحَدِيثِ وَالْأَقْيِسَةِ الْمَذْكُورَاتِ.وَالثَّانِي: جَوَابٌ عَنْ الْآيَةِ أَنَّ دَلَالَتَهَا لِمَذْهَبِنَا إنْ لَمْ تَكُنْ رَاجِحَةً فَمُعَارِضَةٌ لِدَلَالَتِهِمْ. الثالث: عَنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ السُّؤَالَ عَنْ نَقْضِ الضَّفَائِرِ فَقَطْ، هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَمْ لَا ؟. وَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِلنِّيَّةِ. وَقَدْ عُرِفَ وُجُوبُ النِّيَّةِ مِنْ قَوَاعِدِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَمَا ذَكَرْنَا. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى إزَالَةِ النَّجَاسَةِ أَنَّهَا مِنْ بَابِ الْمَتْرُوكِ فَلَمْ تَفْتَقِرْ إلَى نِيَّةٍ، كَتَرْكِ الزِّنَا وَتَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ تَقْرِيرُهُ وَالِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ وَجَوَابُهُ. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ فَهُوَ أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ وَإِنْ كَانَ شَرْطًا إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ عِبَادَةً مَحْضَةً، بَلْ الْمُرَادُ مِنْهُ الصِّيَانَةُ عَنْ الْعُيُونِ، وَلِهَذَا يَجِبُ سَتْرُ عَوْرَةِ مَنْ لَيْسَ مُكَلَّفًا وَلَا مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ وَالْعِبَادَةِ كَمَجْنُونٍ وَصَبِيٍّ لَا يُمَيِّزُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى وَلِيِّهِ سَتْرُ عَوْرَتِهِ.