فهرس الكتاب

الصفحة 300 من 4102

ج / 1 ص -169- حَدَثًا، وَإِنَّمَا تُوجِدُ الطَّهَارَةَ. فَإِنْ قِيلَ: الصَّوْمُ تَرْكٌ وَيَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ، فَالْجَوَابُ أَنَّ الصَّوْمَ كَفٌّ مَقْصُودٌ لِقَمْعِ الشَّهْوَةِ وَمُخَالَفَةِ الْهَوَى فَالْتَحَقَ بِالْأَفْعَالِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

أَمَّا الْحُكْمُ الَّذِي ذَكَرَهُ وَهُوَ أَنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ لَا تَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ فَهُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ، وَنَقَلَ صَاحِبُ"الحاوي"وَالْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ، وَحَكَى الْخُرَاسَانِيُّونَ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَجْهًا أَنَّهُ يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ، حَكَاهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبَا الشَّامِلِ وَالتَّتِمَّةِ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ وَأَبِي سَهْلٍ الصُّعْلُوكِيِّ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: غَلِطَ مَنْ نَسَبَهُ إلَى ابْنِ سُرَيْجٍ، وَبَيَّنَ الْإِمَامُ سَبَبَ الْغَلَطِ بِمَا سَنَذْكُرُهُ فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

قَالَ الْمُصَنِّفُ - رحمه الله تعالى:"وَأَمَّا الطَّهَارَةُ عَنْ الْحَدَثِ مِنْ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَالتَّيَمُّمِ فَلَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهَا إلَّا بِالنِّيَّةِ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:"إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى"وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ طَرِيقُهَا الْأَفْعَالُ فَلَمْ تَصِحَّ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ كَالصَّلَاةِ".

الشرح:هَذَا الْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِم فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ رِوَايَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه، وَهُوَ حَدِيثٌ عَظِيمٌ، أَحَدُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي عَلَيْهَا مَدَارُ الْإِسْلَامِ بَلْ هُوَ أَعْظَمُهُمَا، وَهِيَ أَرْبَعُونَ حَدِيثًا. قَدْ جَمَعْتُهَا فِي جُزْءٍ، قَالَ الشَّافِعِيُّ - رحمه الله: يَدْخُلُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ثُلُثُ الْعِلْمِ، وَقَالَ أَيْضًا: يَدْخُلُ فِي سَبْعِينَ بَابًا مِنْ الْفِقْهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ نَحْوَ هَذِهِ الْعِبَارَةِ. وَكَانَ السَّلَفُ يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يُبْدَأَ كُلُّ تَصْنِيفٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِكَوْنِهِ مُنَبِّهًا عَلَى تَصْحِيحِ النِّيَّةِ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَالْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ لَا يَكُونُ الْعَمَلُ شَرْعِيًّا يَتَعَلَّقُ بِهِ ثَوَابٌ وَعِقَابٌ إلَّا بِالنِّيَّةِ، وَلَفْظَةُ إنَّمَا لِلْحَصْرِ تُثْبِتُ الْمَذْكُورَ وَتَنْفِي مَا سِوَاهُ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَأَفَادَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم:"وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى"فَائِدَةً لَمْ تَحْصُلْ بِقَوْلِهِ:"إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ"وَهِيَ أَنَّ تَعْيِينَ الْعِبَادَةِ الْمَنْوِيَّةِ شَرْطٌ لِصِحَّتِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ. فَالْمَحْضَةُ الْخَالِصَةُ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَوْبٌ بِشَيْءٍ آخَرَ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حَدِّ الْعِبَادَةِ فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ الْعِبَادَةُ الطَّاعَةُ لِلَّهِ تَعَالَى، وَالطَّاعَةُ مُوَافَقَةُ الْأَمْرِ، وَكَذَا نُقِلَ هَذَا عَنْ الْمُصَنِّفِ. وَذَكَر الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِهِ فِي الْحُدُودِ الْكَلَامِيَّةِ وَالْفِقْهِيَّةِ خِلَافًا فِي الْعِبَادَةِ فَقَالَ: الْعِبَادَةُ وَالتَّعَبُّدُ وَالنُّسُكُ بِمَعْنًى وَهُوَ الْخُضُوعُ وَالتَّذَلُّلُ، فَحَدُّ الْعِبَادَةِ مَا تَعَبَّدْنَا بِهِ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ وَالطَّاعَةِ. قَالَ: وَقِيلَ الْعِبَادَةُ طَاعَةُ اللَّهِ تَعَالَى. وَقِيلَ مَا كَانَ قُرْبَةً لِلَّهِ تَعَالَى وَامْتِثَالًا لِأَمْرِهِ. قَالَ: وَهَذَانِ الْحَدَّانِ فَاسِدَانِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ طَاعَةً وَلَيْسَ بِعِبَادَةٍ وَلَا قُرْبَةٍ وَهُوَ النَّظَرُ وَالِاسْتِدْلَالُ إلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ. وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي كِتَابِهِ الْأَسَالِيبُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ هُنَا: الْعِبَادَةُ التَّذَلُّلُ وَالْخُضُوعُ بِالتَّقَرُّبِ إلَى الْمَعْبُودِ بِفِعْلِ مَا أَمَرَ. وَقَالَ الْمُتَوَلِّي فِي كِتَابِهِ فِي الْكَلَامِ: الْعِبَادَةُ فِعْلٌ يُكَلِّفُهُ اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ مُخَالِفًا لِمَا يَمِيلُ إلَيْهِ الطَّبْعُ عَلَى سَبِيلِ الِابْتِلَاءِ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي: الْعِبَادَةُ مَا وَرَدَ التَّعَبُّدُ بِهِ قُرْبَةً لِلَّهِ تَعَالَى. وَقِيلَ أَقْوَالٌ أُخَرُ وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ كِفَايَةٌ.

وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ، فَاحْتَرَزَ بِالْعِبَادَةِ عَنْ الْأَكْلِ وَالنَّوْمِ وَنَحْوِهِمَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت