ج / 8 ص -296- لَهُ، قَدْ نَقَلَهُ الْأَصْحَابُ وَقَالُوا: إذَا نَذَرَ رَكَعَاتٍ فَفِي لُزُومِ الْقِيَامِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يُحْمَلُ النَّذْرُ عَلَى وَاجِبِ الشَّرْعِ أَمْ جَائِزِهِ؟ وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي أَوَائِلِ الْبَابِ. وَأَمَّا إذَا أَكَلَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ ثُمَّ نَذَرَ صَوْمَ هَذَا الْيَوْمِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَلْزَمُهُ إذَا لَمْ يَأْكُلْ فَهُنَا أَوْلَى، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمُتَوَلِّي وَصَاحِبَا"الْعُدَّةِ"و"الْبَيَانِ"وَغَيْرُهُمْ أصحهما: لَا يَنْعَقِدُ والثاني: يَنْعَقِدُ وَيَلْزَمُهُ إمْسَاكُ بَقِيَّةِ هَذَا بِالنِّيَّةِ بِنَاءً عَلَى الْوَجْهِ الشَّاذِّ السَّابِقِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ أَنَّهُ إذَا أَكَلَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ ثُمَّ نَوَى صَوْمَهُ صَحَّ صَوْمُهُ، لَكِنَّ ذَلِكَ الْوَجْهَ ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ، وَمَا يُفَرَّعُ عَلَيْهِ أَضْعَفُ مِنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
أَمَّا إذَا نَذَرَ ابْتِدَاءَ صَوْمٍ فَفِي انْعِقَادِ نَذْرِهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ أصحهما: لَا يَنْعَقِدُ والثاني: يَنْعَقِدُ، كَمَا لَوْ شَرَعَ فِي تَطَوُّعٍ ثُمَّ نَذَرَ إتْمَامَهُ، فَإِذَا قُلْنَا: يَنْعَقِدُ لَزِمَهُ صَوْمُ يَوْمٍ كَامِلٍ. وَذَكَرَ الْمُتَوَلِّي تَفْرِيعًا عَلَى الِانْعِقَادِ أَنَّهُ لَوْ أَمْسَكَ بَقِيَّةَ نَهَارِهِ عَنْ النَّذْرِ أَجْزَأَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ شَيْئًا فِي أَوَّلِهِ، فَإِنْ أَكَلَ لَمْ يُجْزِهِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَفِيهِ الْوَجْهُ الشَّاذُّ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ الْآنَ. وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْضَ رَكْعَةٍ فَفِي انْعِقَادِ نَذْرِهِ وَجْهَانِ كَالصَّوْمِ أصحهما: لَا يَنْعَقِدُ والثاني: يَنْعَقِدُ، لِأَنَّهُ قَدْ يُؤْمَرُ بِفِعْلِ مَا دُونَ رَكْعَةٍ وَيُثَابُ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِيمَا إذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ بَعْدَ الرُّكُوعِ حَتَّى إنَّهُ يُدْرِكُ بِهِ فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ لَوْ كَانَ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ. قَالَ الْمُتَوَلِّي: فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِرَكْعَةٍ كَامِلَةٍ إنْ أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ بِالْمَنْذُورِ مُفْرَدًا، فَإِنْ اقْتَدَى بِإِمَامٍ بَعْدَ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ خَرَجَ عَنْ نَذْرِهِ، لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا الْتَزَمَهُ وَهُوَ قُرْبَةٌ فِي نَفْسِهِ. وَقَطَعَ غَيْرُهُ بِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ رَكْعَةٌ مُطْلَقًا تَفْرِيعًا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ. وَهَذَا أَرْجَحُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ نَذَرَ رُكُوعًا لَزِمَهُ رَكْعَةٌ كَامِلَةٌ بِاتِّفَاقِ الْمُفَرِّعِينَ عَلَى انْعِقَادِ النَّذْرِ. وَلَوْ نَذَرَ تَشَهُّدًا قَالَ الْمُتَوَلِّي يَأْتِي بِرَكْعَةٍ يَتَشَهَّدُ فِي آخِرِهَا أَوْ يَقْتَدِي بِمَنْ قَعَدَ لِلتَّشَهُّدِ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ، أَوْ يُكَبِّرُ وَيَسْجُدُ سَجْدَةً وَيَتَشَهَّدُ عَلَى طَرِيقَةِ مَنْ يَقُولُ: سُجُودُ التِّلَاوَةِ يَقْتَضِي التَّشَهُّدَ فَيَخْرُجُ عَنْ نَذْرِهِ. وَلَوْ نَذَرَ سَجْدَةً فَرْدَةً فَطَرِيقَانِ أصحهما: وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَغَيْرُهُ لَا يَنْعَقِدُ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّهَا لَيْسَتْ قُرْبَةً بِلَا سَبَبٍ وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: وَبِهِ قَطَعَ الْمُتَوَلِّي أَنَّ السَّجْدَةَ قُرْبَةٌ بِدَلِيلِ سَجْدَتَيْ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ، فَيَكُونُ فِي انْعِقَادِ نَذْرِهِ الْوَجْهَانِ فِي انْعِقَادِ نَذْرِ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَنْعَقِدُ فَالْحُكْمُ كَمَا فِي الرُّكُوعِ. وَقَالَ صَاحِبُ"الْبَيَانِ": مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ انْعِقَادُ نَذْرِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ الْيَوْمَ الَّذِي يَقْدَمُ فِيهِ فُلَانٌ صَحَّ نَذْرُهُ، فَإِنْ قَدِمَ لَيْلًا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ لِأَنَّ الشَّرْطَ لَمْ يُوجَدْ، وَإِنْ قَدِمَ نَهَارًا لَزِمَهُ اعْتِكَافُ بَقِيَّةِ النَّهَارِ، وَفِي قَضَاءِ مَا فَاتَ وَجْهَانِ أحدهما: يَلْزَمُهُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ والثاني: لَا يَلْزَمُهُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ، لِأَنَّ مَا مَضَى قَبْلَ الْقُدُومِ لَمْ يَدْخُلْ فِي النَّذْرِ فَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ، وَإِنْ قَدِمَ وَهُوَ مَحْبُوسٌ أَوْ مَرِيضٌ فَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ لِأَنَّهُ فَرْضٌ وُجِدَ شَرْطُهُ فِي حَالِ الْمَرَضِ فَثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ كَصَوْمِ رَمَضَانَ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ وَأَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ: لَا يَلْزَمُهُ، لِأَنَّ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ لَا يَدْخُلُ فِي النَّذْرِ، كَمَا لَوْ نَذَرَتْ الْمَرْأَةُ صَوْمَ يَوْمٍ بِعَيْنِهِ فَحَاضَتْ فِيهِ.
الشرح: قَوْلُهُ:"لِأَنَّهُ فَرْضٌ"احْتِرَازٌ مِنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ وَعَاشُورَاءَ وَنَحْوِهِمَا، وَقَوْلُهُ:"وُجِدَ شَرْطُهُ"احْتِرَازٌ مِمَّا إذَا لَمْ يُوجَدْ شَرْطُهُ لِجُنُونٍ وَنَحْوِهِ. وَقَوْلُهُ:"فِي حَالِ الْمَرَضِ"احْتِرَازٌ مِنْ الْمَرْأَةِ إذَا نَذَرَتْ