ج / 8 ص -277- بَيَانُ طُرُقِهِ وَشَرْحِهِ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ غَرِيبٌ، وَلَكِنْ مَعْنَاهُ مَشْهُورٌ مِنْ رِوَايَةِ ثَابِتِ1 [بْنِ] الضَّحَّاكِ الْأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه قَالَ:"نَذَرَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَنْحَرَ إبِلًا بِبُوَانَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَهَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟ قَالُوا: لَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَوْفِ بِنَذْرِك، فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ2، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ.
وأما: حَدِيثُ جَابِرٍ بِهَذَا اللَّفْظِ فَغَرِيبٌ عَنْهُ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي"صَحِيحِهِ"فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْحُدُودِ فِي بَابِ ظَهْرُ الْمُؤْمِنِ حِمًى مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما وَيُسْتَدَلُّ مَعَهُ أَيْضًا بِحَدِيثِ عَدِّي ابْنِ الْحَمْرَاءِ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"وَقَفَ فِي مَكَّةَ وَأَشَارَ إلَيْهَا وَقَالَ: وَاَللَّهِ إنَّك لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْت مِنْك مَا خَرَجْت"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَسَبَقَ بَيَانُهُ وَبَيَانُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وَمَا يُعَارِضُهُ فِي آخِرِ بَابِ مَا يَجِبُ بِمَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
أَمَّا أَلْفَاظُ الْفَصْلِ: فَفِيهِ3 لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ أَشْهَرُهُمَا: وَأَفْصَحُهُمَا هَدْيٌ - بِإِسْكَانِ الدَّالِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ - وَبِهَذِهِ جَاءَ الْقُرْآنُ وَالثَّانِيَةُ: هَدِيٌّ - بِكَسْرِ الدَّالِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ - سُمِّيَ هَدِيًّا؛ لِأَنَّهُ يُهْدَى إلَى الْحَرَمِ، فَعَلَى الْأُولَى هُوَ فِعْلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ كَالْخَلْقِ بِمَعْنَى الْمَخْلُوقِ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، كَقَتِيلٍ وَجَرِيحٍ بِمَعْنَى مَقْتُولٍ وَمَجْرُوحٍ. وَأَمَّا حَدِيثُ مَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى فَسَبَقَ شَرْحُهُ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ وَقَوْلُهُ: وَقَالَ فِي"الْجَدِيدِ"، أَيْ فِي مُعْظَمِ كُتُبِهِ الْجَدِيدَةِ، وَإِلَّا"فَالْإِمْلَاءُ"مِنْ الْكُتُبِ الْجَدِيدَةِ وأما: الضَّأْنُ وَالْمَعْزُ وَالْإِبِلُ وَالْبَقَرُ فَسَبَقَ بَيَانُ لُغَاتِهَا فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ قوله: لِأَنَّهُ فَرْضٌ لَهُ بَدَلٌ، احْتِرَازٌ مِنْ الصَّلَاةِ وَمَنْ زَكَاةِ الْفِطْرِ. وَذَكَرَ فِي"الْجَدِيدِ"الصَّنَمَ وَالْوَثَنَ، فَقِيلَ هُمَا بِمَعْنًى، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُمَا مُتَغَايِرَانِ، فَعَلَى هَذَا قِيلَ: الصَّنَمُ مَا كَانَ مُصَوَّرًا مِنْ حَجَرٍ أَوْ نُحَاسٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَالْوَثَنُ مَا كَانَ غَيْرَ مُصَوَّرٍ، وَقِيلَ: الْوَثَنُ مَا كَانَ لَهُ جُثَّةٌ مِنْ خَشَبٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ جَوْهَرٍ أَوْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ مُصَوَّرًا أَوْ غَيْرَ مُصَوَّرٍ، وَالصَّنَمُ الصُّورَةُ بِلَا جُثَّةٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قوله: رِتَاجُ الْكَعْبَةِ هُوَ - بِكَسْرِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقُ وَبِالْجِيمِ وَأَصْلُهُ الْبَابُ، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ الْكَعْبَةُ نَفْسُهَا وَيُقَالُ فِيهِ الرَّتَجُ أَيْضًا بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالتَّاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ثابت بن الضحاك بن أمية بن ثعلبة الخزرجي الأنصاري رديف رسول الله يوم الخندق ودليله إلى حمراء الأسد يوم أحد وكان ممن بايع بيعة الشجرة - بيعة الرضوان - وهو صغير (ط) .
2 حديث"لا وفاء لنذر في معصية ولا فيما لا يملك ابن آدم"أخرجه أحمد في"مسنده"وعبد الرزاق في"مصنفه"عن عمران بن حصين والطبراني في"الكبير"عن جابر موقوفًا عليه وفي الطبراني عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه مرفوعًا"لا وفاء لنذر في معصية الله ولا في قطيعة رحم ولا فيما لا تملك"وأخرجه أحمد عن جابر مرفوعًا بلفظ"لا وفاء لنذر في معصية الله".
3 الضمير يعود على كلمة المصنف: وإن نذر هديًا (المطيعي) .