ج / 8 ص -227- يُنْقِصُ اللَّحْمَ لَا يَجُوزُ. وَيُكْرَهُ أَنْ يُضَحِّيَ بِالْجَلْحَاءِ، وَهِيَ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ لَهَا قَرْنٌ، وَبِالْعَصْمَاءِ وَهِيَ الَّتِي انْكَسَرَ غِلَافُ قَرْنِهَا، وَبِالْعَضْبَاءِ وَهِيَ الَّتِي انْكَسَرَ قَرْنُهَا، وَبِالشَّرْقَاءِ وَهِيَ الَّتِي انْتَقَبَتْ مِنْ الْكَيِّ أُذُنُهَا، وَبِالْخَرْقَاءِ وَهِيَ الَّتِي تُشَقُّ أُذُنُهَا بِالطُّولِ، لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يَشِينُهَا. وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ تَعْظِيمَهَا اسْتِحْسَانُهَا، فَإِنْ ضَحَّى بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَجْزَأَهُ لِأَنَّ مَا بِهَا لَا يُنْقِصُ مِنْ لَحْمِهَا، فَإِنْ نَذَرَ أَنْ يُضَحِّيَ بِحَيَوَانٍ فِيهِ عَيْبٌ يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ كَالْجَرَبِ وَجَبَ عَلَيْهِ ذَبْحُهُ وَلَا يُجْزِئُهُ عَنْ الْأُضْحِيَّةِ، فَإِنْ زَالَ الْعَيْبُ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ الْأُضْحِيَّةِ لِأَنَّهُ أَزَالَ الْمِلْكَ فِيهَا بِالنَّذْرِ، وَهِيَ لَا تُجْزِئُ فَلَمْ يَتَغَيَّرْ الْحُكْمُ بِمَا يَحْدُثُ فِيهَا كَمَا لَوْ أَعْتَقَ بِالْكَفَّارَةِ عَبْدًا أَعْمَى ثُمَّ صَارَ بَعْدَ الْعِتْقِ بَصِيرًا.
الشرح: حَدِيثُ الْبَرَاءِ رضي الله عنه صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ بِأَسَانِيدَ حَسَنَةٍ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: مَا أَحْسَنَهُ مِنْ حَدِيثٍ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَوْلُهُ:"عَيْبٌ يَنْقُصُ اللَّحْمَ"بِفَتْحِ الْيَاءِ وَإِسْكَانِ النُّونِ وَضَمِّ الْقَافِ. وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم"الْبَيِّنُ ضَلَعُهَا"فَهُوَ بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ، وَهُوَ الْعَرَجُ وَقَوْلُهُ:"الَّتِي لَا تُنْقِي"بِضَمِّ التَّاءِ وَإِسْكَانِ النُّونِ وَكَسْرِ الْقَافِ، أَيْ الَّتِي لَا نِقْيَ لَهَا، بِكَسْرِ النُّونِ وَإِسْكَانِ الْقَافِ وَهُوَ الْمُخُّ. وَقَوْلُهُ:"هَذِهِ الْأَرْبَعَةُ"يَعْنِي الْأَمْرَاضُ وَقَوْلُهُ:"نَقَصَ اللَّحْمُ"بِتَخْفِيفِ الْقَافِ وَالْجَلْحَاءُ بِالْمَدِّ وَكَذَا الْعَصْمَاءُ، وَهِيَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ الْعَضْبَاءُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَإِسْكَانِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ. وَالشَّرْقَاءُ وَالْخَرْقَاءُ بِالْمَدِّ أَيْضًا. وَقَوْلُهُ:"يَشِينُهَا"بِفَتْحِ أَوَّلِهِ. وَهَذَا التَّفْسِيرُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الشَّرْقَاءِ وَالْخَرْقَاءِ مِمَّا أُنْكِرَ عَلَيْهِ وَغَلَّطُوهُ فِيهِ، بَلْ الصَّوَابُ الْمَعْرُوفُ فِي الشَّرْقَاءِ أَنَّهَا الْمَشْقُوقَةُ الْأُذُنِ، وَالْخَرْقَاءُ الَّتِي فِي أُذُنِهَا ثُقْبٌ مُسْتَدِيرٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
أما الأحكام: فَفِيهِ مَسَائِلُ إحداها: لَا تُجْزِئُ التَّضْحِيَةُ بِمَا فِيهِ عَيْبٌ يَنْقُصُ اللَّحْمَ كَالْمَرِيضَةِ، فَإِنْ كَانَ مَرَضُهَا يَسِيرًا لَمْ يَمْنَعْ الْإِجْزَاءَ، وَإِنْ كَانَ بَيِّنًا يَظْهَرُ بِسَبَبِهِ الْهُزَالُ وَفَسَادُ اللَّحْمِ لَمْ يُجْزِهِ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ. وَحَكَى ابْنُ كَجٍّ قَوْلًا شَاذًّا أَنَّ الْمَرَضَ لَا يَمْنَعُ بِحَالٍ، وَأَنَّ الْمَرَضَ الْمَذْكُورَ فِي الْحَدِيثِ الْمُرَادُ بِهِ الْجَرَبُ. وَحُكِيَ وَجْهٌ أَنَّ الْمَرَضَ يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا، وَحَكَاهُ فِي"الْحَاوِي"قَوْلًا قَدِيمًا. وَحُكِيَ وَجْهٌ فِي الْهُيَامِ - بِضَمِّ الْهَاءِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ - خَاصَّةً أَنَّهُ يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ، وَهُوَ مِنْ أَمْرَاضِ الْمَاشِيَةِ، وَهُوَ أَنْ يَشْتَدَّ عَطَشُهَا فَلَا تَرْوَى مِنْ الْمَاءِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: هُوَ دَاءٌ يَأْخُذُهَا فَتَهِيمُ فِي الْأَرْضِ لَا تَرْعَى، وَنَاقَةٌ هَيْمَاءُ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالْمَدِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّانِيَةُ: الْجَرَبُ يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ كَثِيرَهُ وَقَلِيلَهُ، كَذَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ، وَنُصَّ عَلَيْهِ فِي الْجَدِيدِ لِأَنَّهُ يُفْسِدُ اللَّحْمَ. وَالْوَدَكُ، وَفِيهِ وَجْهٌ شَاذٌّ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ إلَّا إذَا كَثُرَ كَالْمَرَضِ، وَاخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ. وَسَوَاءٌ فِي الْمَرَضِ وَالْجَرَبِ مَا يُرْجَى زَوَالُهُ وَمَا لَا يُرْجَى.
الثَّالِثَةُ: الْعَرْجَاءُ إنْ اشْتَدَّ عَرَجُهَا بِحَيْثُ تَسْبِقُهَا الْمَاشِيَةُ إلَى الْكَلَأِ الطَّيِّبِ، وَتَتَخَلَّفُ عَنْ الْقَطِيعِ لَمْ تُجْزِئْ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا لَا يُخَلِّفُهَا عَنْ الْمَاشِيَةِ لَمْ يَضُرَّ. فَلَوْ انْكَسَرَ بَعْضُ قَوَائِمِهَا فَكَانَتْ تَزْحَفُ