ج / 1 ص -160- وَأَمَّا حَلْقُ الْعَانَةِ فَمُتَّفَقٌ عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ أَيْضًا، وَهَلْ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجَةِ إذَا أَمَرَهَا زَوْجُهَا ؟ فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ أَصَحُّهُمَا الْوُجُوبُ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَفْحُشْ بِحَيْثُ يُنَفِّرُ التَّوَّاقَ، فَإِنْ فَحُشَ بِحَيْثُ نَفَّرَهُ وَجَبَ قَطْعًا، وَسَتَأْتِي الْمسألة:مَبْسُوطَةً فِي كِتَابِ النِّكَاحِ حَيْثُ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَالسُّنَّةُ فِي الْعَانَةِ الْحَلْقُ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي الْحَدِيثِ، فَلَوْ نَتَفَهَا أَوْ قَصَّهَا أَوْ أَزَالَهَا بِالنُّورَةِ جَازَ، وَكَانَ تَارِكًا لِلْأَفْضَلِ وَهُوَ الْحَلْقُ، وَيَحْلِقُ عَانَتَهُ بِنَفْسِهِ، وَيَحْرُمُ أَنْ يُوَلِّيَهَا غَيْرَهُ إلَّا زَوْجَتَهُ أَوْ جَارِيَتَهُ الَّتِي تَسْتَبِيحُ النَّظَرَ إلَى عَوْرَتِهِ وَمَسَّهَا، فَيَجُوزُ مَعَ الْكَرَاهَةِ. وَالتَّوْقِيتُ فِي حَلْقِ الْعَانَةِ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ اعْتِبَارِ طُولِهَا، وَأَنَّهُ إنْ أَخَّرَهُ فَلَا يُجَاوِزُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَقَدْ فَعَلَ مِنْ السَّلَفِ جَمَاعَةٌ بِالنُّورَةِ، وَكَرِهَهَا آخَرُونَ مِنْهُمْ، وَجَمَعَ الْبَيْهَقِيُّ الْآثَارَ عَنْهُمْ فِي السُّنَنِ الْكَبِيرِ وَأَفْرَدَ لَهَا بَابًا.
وَأَمَّا حَقِيقَةُ الْعَانَةِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ حَلْقُهَا فَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا الشَّعْرُ النَّابِتُ حَوَالَيْ ذَكَرِ الرَّجُلِ وَقُبُلِ الْمَرْأَةِ وَفَوْقَهُمَا، وَرَأَيْت فِي كِتَابِ الْوَدَائِعِ الْمَنْسُوبِ إلَى أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ وَمَا أَظُنُّهُ يَصِحُّ عَنْهُ قَالَ: الْعَانَةُ الشَّعْرُ الْمُسْتَدِيرُ حَوْلَ حَلَقَةِ الدُّبُرِ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ غَرِيبٌ وَلَكِنْ لَا مَانِعَ مِنْ حَلْقِ شَعْرِ الدُّبُرِ، وَأَمَّا اسْتِحْبَابُهُ فَلَمْ أَرَ فِيهِ شَيْئًا لِمَنْ يُعْتَمَدُ غَيْرَ هَذَا، فَإِنْ قَصَدَ بِهِ التَّنَظُّفَ وَسُهُولَةَ الِاسْتِنْجَاءِ فَهُوَ حَسَنٌ مَحْبُوبٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: يُسْتَحَبُّ دَفْنُ مَا أُخِذَ مِنْ هَذِهِ الشُّعُورِ وَالْأَظْفَارِ وَمُوَارَاتُهُ فِي الْأَرْضِ، نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا وَسَنَبْسُطُهُ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
فرع: سَبَقَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ إعْفَاءَ اللِّحْيَةِ مِنْ الْفِطْرَةِ فَالْإِعْفَاءُ بِالْمَدِّ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ: هُوَ تَوْفِيرُهَا وَتَرْكُهَا بِلَا قَصٍّ، كُرِهَ لَنَا قَصُّهَا كَفِعْلِ الْأَعَاجِمِ، قَالَ: وَكَانَ مِنْ زِيِّ كِسْرَى قَصُّ اللِّحَى وَتَوْفِيرُ الشَّوَارِبِ، قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ: اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِيمَا طَالَ مِنْ اللِّحْيَةِ فَقِيلَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَقْبِضَ عَلَيْهَا وَيَقُصَّ مَا تَحْتَ الْقَبْضَةِ، فَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ ثُمَّ جَمَاعَةٌ مِنْ التَّابِعِينَ، وَاسْتَحْسَنَهُ الشَّعْبِيُّ وَابْنُ سِيرِينَ، وَكَرِهَهُ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ، وَقَالُوا: يَتْرُكُهَا عَافِيَةً لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:"وَاعْفُوا اللِّحَى".
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَالْأَمْرُ فِي هَذَا قَرِيبٌ إذَا لَمْ يَنْتَهِ إلَى تَقْصِيصِهَا؛ لِأَنَّ الطُّولَ الْمُفْرِطَ قَدْ يُشَوِّهُ الْخِلْقَةَ. هَذَا كَلَامُ الْغَزَالِيِّ وَالصَّحِيحُ كَرَاهَةُ الْأَخْذِ مِنْهَا مُطْلَقًا، بَلْ يَتْرُكُهَا عَلَى حَالِهَا كَيْفَ كَانَتْ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ"وَاعْفُوا اللِّحَى"، وَأَمَّا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: كَانَ يَأْخُذُ مِنْ لِحْيَتِهِ مِنْ عَرْضِهَا وَطُولِهَا"فَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ لَا يُحْتَجُّ بِهِ.
وَأَمَّا الْمَرْأَةُ إذَا نَبَتَتْ لَهَا لِحْيَةٌ فَيُسْتَحَبُّ حَلْقُهَا، صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَغَيْرُهُ وَكَذَا الشَّارِبُ وَالْعَنْفَقَةُ لَهَا، هَذَا مَذْهَبُنَا وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ: لَا يَجُوزُ لَهَا حَلْقُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا تَغْيِيرُ شَيْءٍ مِنْ خِلْقَتِهَا بِزِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ.
وَأَمَّا الْأَخْذُ مِنْ الْحَاجِبَيْنِ إذَا طَالَا فَلَمْ أَرَ فِيهِ شَيْئًا لِأَصْحَابِنَا، وَيَنْبَغِي أَنْ يُكْرَهَ لِأَنَّهُ تَغْيِيرٌ لِخَلْقِ اللَّهِ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ شَيْءٌ فَكُرِهَ، وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ، قَالَ: وَكَانَ أَحْمَدُ يَفْعَلُهُ وَحُكِيَ