ج / 1 ص -159- الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"مَنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَارِبِهِ فَلَيْسَ مِنَّا"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ مِنْ جَامِعِهِ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ثُمَّ ضَابِطُ قَصِّ الشَّارِبِ أَنْ يَقُصَّ حَتَّى يَبْدُوَ طَرَفُ الشَّفَةِ وَلَا يَحُفُّهُ مِنْ أَصْلِهِ، هَذَا مَذْهَبُنَا، وَقَالَ أَحْمَدُ: رحمه الله: إنْ حَفَّهُ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ قَصَّهُ فَلَا بَأْسَ، وَاحْتَجَّ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ كَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"أَحْفُوا الشَّارِبَ وَاعْفُوا اللِّحَى"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ."جُزُّوا الشَّوَارِبَ"وَفِي رِوَايَةٍ"انْهَكُوا الشَّوَارِبَ"وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ مَحْمُولَةٌ عِنْدَنَا عَلَى الْحَفِّ مِنْ طَرَفِ الشَّفَةِ لَا مِنْ أَصْلِ الشَّعْرِ، وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ فِي أَنَّ السُّنَّةَ قَصُّ بَعْضِ الشَّارِبِ كَمَا ذَكَرْنَا مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ:"كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقُصُّ أَوْ يَأْخُذُ مِنْ شَارِبِهِ قَالَ: وَكَانَ إبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ يَفْعَلُهُ"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ قَالَ:"رَأَيْت خَمْسَةً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُصُّونَ شَوَارِبَهُمْ: أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ وَعُتْبَة1ُ بْنُ عَبْدٍ السُّلَمِيُّ، وَالْحَجَّاجُ بْنُ عَامِرٍ الثُّمَالِيُّ، وَالْمِقْدَامُ بْنُ مَعْدِ يَكْرِبَ وَكَانُوا يَقُصُّونَ شَوَارِبَهُمْ مَعَ طَرَفِ الشَّفَةِ".
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ الْإِمَامِ - رحمه الله - أَنَّهُ ذُكِرَ إحْفَاءُ بَعْضِ النَّاسِ شَوَارِبَهُمْ فَقَالَ مَالِكٌ: يَنْبَغِي أَنْ يُضْرَبَ مَنْ صَنَعَ ذَلِكَ فَلَيْسَ حَدِيثُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَذَلِكَ وَلَكِنْ يُبْدِي حَرْفَ الشَّفَةِ وَالْفَمِ، قَالَ مَالِكٌ: حَلْقُ الشَّارِبِ بِدْعَةٌ ظَهَرَتْ فِي النَّاسِ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَا بَأْسَ بِتَرْكِ سَبَلَتَيْهِ وَهُمَا طَرَفَا الشَّارِبِ، فَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ رضي الله عنه وَغَيْرُهُ. قُلْت: وَلَا بَأْسَ أَيْضًا بِتَقْصِيرِهِ رَوَى ذَلِكَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، وَيُسْتَحَبُّ فِي قَصِّ الشَّارِبِ أَنْ يَبْدَأَ بِالْجَانِبِ الْأَيْمَنِ لِمَا سَبَقَ"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي كُلِّ شَيْءٍ"، وَالتَّوْقِيتُ فِي قَصِّ الشَّارِبِ كَمَا سَبَقَ فِي تَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَقُصَّ شَارِبَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ يَقُصَّهُ لَهُ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ مِنْ غَيْرِ هَتْكِ مُرُوءَةٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا غَسْلُ الْبَرَاجِمِ فَمُتَّفَقٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ وَهُوَ سُنَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِالْوُضُوءِ، وَقَدْ أَوْضَحَهَا الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ وَأَلْحَقَ بِهَا إزَالَةَ مَا يَجْتَمِعُ مِنْ الْوَسَخِ فِي مَعَاطِفِ الْأُذُنِ وَقَعْرِ الصِّمَاخِ فَيُزِيلُهُ بِالْمَسْحِ، وَرُبَّمَا أَضَرَّتْ كَثْرَتُهُ بِالسَّمْعِ، قَالَ: وَكَذَا مَا يَجْتَمِعُ فِي دَاخِلِ الْأَنْفِ مِنْ الرُّطُوبَاتِ الْمُلْتَصِقَةِ بِجَوَانِبِهِ، وَكَذَا الْوَسَخُ الَّذِي يَجْتَمِعُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْبَدَنِ بِعَرَقٍ وَغُبَارٍ وَنَحْوِهِمَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا نَتْفُ الْإِبْطِ فَمُتَّفَقٌ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ، وَالتَّوْقِيتُ فِيهِ كَمَا سَبَقَ فِي الْأَظْفَارِ فَإِنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ، ثُمَّ السُّنَّةُ نَتْفُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَدِيثُ، فَلَوْ حَلَقَهُ جَازَ، وَحُكِيَ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: دَخَلْت عَلَى الشَّافِعِيِّ - رحمه الله - وَعِنْدَهُ الْمُزَيِّنُ يَحْلِقُ إبْطَيْهِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: قَدْ عَلِمْت أَنَّ السَّنَةَ النَّتْفُ وَلَكِنْ لَا أَقْوَى عَلَى الْوَجَعِ، وَلَوْ أَزَالَهُ بِالنُّورَةِ فَلَا بَأْسَ. قَالَ الْغَزَالِيُّ: الْمُسْتَحَبُّ نَتْفُهُ وَذَلِكَ سَهْلٌ لِمَنْ تَعَوَّدَهُ فَإِنْ حَلَقَهُ جَازَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ النَّظَافَةُ، وَأَنْ لَا يَجْتَمِعَ الْوَسَخُ فِي خَلَلِ ذَلِكَ وَرُبَّمَا حَصَلَ بِسَبَبِهِ رَائِحَةٌ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِالْإِبِطِ الْأَيْمَنِ كَمَا سَبَقَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 هو عتبة بن النذر بضم الدال المشددتين كان اسمه عتلة فغير رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمه (ط)