ج / 8 ص -208- تَعَيَّنَ الْأَوَّلُ، لِأَنَّهُ مَقْصُودُ الْهَدْيِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّالِثَةُ: إذَا اشْتَرَى هَدْيًا ثُمَّ نَذَرَ إهْدَاءَهُ ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا لَمْ يَجُزْ لَهُ رَدُّهُ بِالْعَيْبِ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا يَجُوزُ إبْطَالُهُ، كَمَا لَوْ عَتَقَ الْمَبِيعَ أَوْ وَقَفَهُ ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ رَدُّهُ وَيَجِبُ الْأَرْشُ هُنَا كَمَا يَجِبُ فِيمَا إذَا أَعْتَقَ أَوْ وَقَفَ، وَفِي هَذَا الْأَرْشِ وَجْهَانِ أحدهما: وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَكْثَرُونَ يَجِبُ صَرْفُهُ إلَى الْمَسَاكِينِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، فَعَلَى هَذَا إنْ أَمْكَنَهُ شِرَاءُ هَدْيٍ لَزِمَهُ وَإِلَّا فَفِيمَا يَفْعَلُ بِهِ الْأَوْجُهُ السَّابِقَةُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا فِيمَا إذَا أَتْلَفَهُ وَفَضَلَ عَنْ مِثْلِهِ شَيْءٌ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَكُونُ الْأَرْشُ لِلْمُشْتَرِي النَّادِرِ لِأَنَّ الْأَرْشَ إنَّمَا وَجَبَ لَهُ، لِأَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ اقْتَضَى سَلَامَتَهُ وَذَلِكَ حَقٌّ لِلْمُشْتَرِي، وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْفُقَرَاءِ وَهُوَ نَاقِصٌ، وَلِأَنَّ الْعَيْبَ قَدْ يَكُونُ مُؤَثِّرًا فِي اللَّحْمِ الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَبِالْوَجْهِ الْأَوَّلِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ، لَكِنَّ الثَّانِيَ أَقْوَى، قَالَ وَنَسَبَهُ إلَى الْمَرَاوِزَةِ وَلَا يَصِحُّ غَيْرُهُ. قَالَ: وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْغَزَالِيُّ وَالرُّويَانِيُّ، هَذَا كَلَامُ الرَّافِعِيِّ. وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الصَّبَّاغِ هَذَا الثَّانِيَ عَنْ أَصْحَابِنَا مُطْلَقًا وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا فَهُوَ الصَّحِيحُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: إذَا قَالَ: جَعَلْتُ هَذِهِ الشَّاةَ أَوْ الْبَدَنَةَ ضَحِيَّةً أَوْ نَذَرَ أَنْ يُضَحِّيَ بِشَاةٍ أَوْ بَدَنَةٍ عَيَّنَهَا فَمَاتَتْ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ أَوْ سُرِقَتْ قَبْلَ تَمَكُّنِهِ مِنْ ذَبْحِهَا يَوْمَ النَّحْرِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَكَذَا الْهَدْيُ الْمُعَيَّنُ إذَا تَلِفَ قَبْلَ بُلُوغِ الْمَنْسَكِ أَوْ بَعْدَهُ، وَقَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ ذَبْحِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ لَمْ يُفَرِّطْ فِيهَا.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَإِنْ ذَبَحَهُ أَجْنَبِيٌّ بِغَيْرِ إذْنِهِ أَجْزَأَهُ عَنْ النَّذْرِ، لِأَنَّ ذَبْحَهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى قَصْدِهِ، فَإِذَا فَعَلَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَقَعَ الْمَوْقِعَ، كَرَدِّ الْوَدِيعَةِ وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَيَجِبُ عَلَى الذَّابِحِ ضَمَانُ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ حَيًّا وَمَذْبُوحًا لِأَنَّهُ لَوْ أَتْلَفَهُ ضَمِنَهُ فَإِذَا ذَبَحَهُ ضَمِنَ نُقْصَانَهُ كَشَاةِ اللَّحْمِ، وَفِيمَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ.
الشرح: قَالَ أَصْحَابُنَا: إذَا نَذَرَ هَدْيًا مُعَيَّنًا فَذَبَحَهُ غَيْرُهُ بِإِذْنِهِ وَقَعَ مَوْقِعَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَى الذَّابِحِ، وَإِنْ ذَبَحَهُ إنْسَانٌ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَقَعَ الْمَوْقِعَ أَيْضًا وَأَجْزَأَ النَّاذِرُ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَيَلْزَمُ الذَّابِحَ أَرْشُ نَقْصِهِ، وَهُوَ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ حَيًّا وَمَذْبُوحًا لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ.
وَحَكَى الْخُرَاسَانِيُّونَ قَوْلًا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْأَجْنَبِيَّ أَرْشٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يُفَوِّتْ مَقْصُودًا بَلْ خَفَّفَ مُؤْنَةَ الذَّبْحِ. وَحَكَوْا قَوْلًا قَدِيمًا أَنَّ لِصَاحِبِ الْهَدْيِ أَنْ يَجْعَلَهُ عَنْ الذَّابِحِ وَيُفَرِّقَ الْقِيمَةَ بِكَمَالِهَا بِنَاءً عَلَى وَقْفِ الْعُقُودِ، وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ شَاذَّانِ ضَعِيفَانِ، فَهَذَا مُخْتَصَرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِشَرْحِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
وَقَدْ فَرَّعَ أَصْحَابُنَا فِي الْمَسْأَلَةِ تَفْرِيعًا كَثِيرًا، وَقَدْ لَخَّصَهُ الرَّافِعِيُّ وَأَنَا أَخْتَصِرُ مَقْصُودَهُ هُنَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ: إذَا ذَبَحَ أَجْنَبِيٌّ أُضْحِيَّةً مُعَيَّنَةً ابْتِدَاءً فِي وَقْتِ التَّضْحِيَةِ أَوْ هَدْيًا مُعَيَّنًا بَعْدَ بُلُوغِ النُّسُكِ فَقَوْلَانِ الصَّحِيحُ: الْمَشْهُور أَنَّهُ يَقَعُ الْمَوْقِعَ، فَيَأْخُذُ صَاحِبُ الْأُضْحِيَّةِ لَحْمَهَا فَيُفَرِّقُهُ، لِأَنَّهُ مُسْتَحِقُّ الصَّرْفِ إلَى هَذِهِ الْجِهَةِ، فَلَا يُشْتَرَطُ فِعْلُ صَاحِبِهِ كَرَدِّ الْوَدِيعَةِ والثاني: وَهُوَ قَوْلٌ قَدِيمٌ أَنَّ لِصَاحِبِ الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ أَنْ يَجْعَلَهُ عَنْ الذَّابِحِ وَيُغَرِّمُهُ الْقِيمَةَ بِكَمَالِهَا، بِنَاءً عَلَى وَقْفِ الْعُقُودِ، وَهَذَا الْقَوْلُ