ج / 8 ص -207- الْجُمْهُورُ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: عَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَصْرِفُهَا مَصْرِفَ الضَّحَايَا حَتَّى لَوْ أَرَادَ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْهَا خَاتَمًا يَقْتَنِيهِ وَلَا يَبِيعُهُ جَازَ لَهُ ذَلِكَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَهَذَا وَجْهٌ مِنْ قَوْلِ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ: وَيُشْبِهُ أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ خِلَافٌ مُحَقَّقٌ، بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ شِقْصٌ وَيَجُوزُ إخْرَاجُ الدَّرَاهِمِ، وَقَدْ يَتَسَاهَلُ فِي ذِكْرِ الْمَصْرِفِ فِي مِثْلِ هَذَا. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ تَفْرِيعٌ عَلَى جَوَازِ الْأَكْلِ مِنْ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ 1.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: يَجِبُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا لَحْمًا وَيَتَصَدَّقَ بِهِ وَالرَّابِعُ: أَنَّ لَهُ صَرْفَهَا فِي جُزْءٍ مِنْ غَيْرِ الْمِثْلِ، لِأَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى الْمِثْلِ كَابْتِدَاءِ هَدْيٍ وَالْخَامِسُ: أَنَّهُ يُهْلِكُ هَذِهِ الْفَضْلَةَ، حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ. هَذَا كُلُّهُ إذَا أَمْكَنَ شِرَاءُ شِقْصٍ بِهَذِهِ الْفَضْلَةِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَفِيهِ الْأَرْبَعَةُ وَيَسْقُطُ الْأَوَّلُ أَصَحُّهَا: الثَّانِي، وَهُوَ جَوَازُ إخْرَاجِ الْقِيمَةِ دَرَاهِمَ وَيَتَصَدَّقُ بِهَا، وَيَحْكِي كَلَامَ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
أَمَّا إذَا أَتْلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا الْقِيمَةُ بِلَا خِلَافٍ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُهْدِي حَيْثُ قُلْنَا: إنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ الْأَمْرَيْنِ أَنَّ الْمُهْدِيَ الْتَزَمَ الْإِرَاقَةَ، قَالَ أَصْحَابُنَا: فَيَأْخُذُ الْمُهْدِي الْقِيمَةَ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ فَيَشْتَرِي بِهَا مِثْلَ الْهَدْيِ الْمُتْلَفِ، فَإِنْ حَصَّلَ مِثْلَهُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ ذَبَحَهُ، وَإِنْ زَادَتْ الْقِيمَةُ فَإِنْ بَلَغَتْ الزِّيَادَةُ مِثْلَيْنِ لَزِمَهُ شِرَاؤُهُمَا، وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ مِثْلَيْنِ اشْتَرَى مِثْلًا. وَفِي الزِّيَادَةِ الْأَوْجُهُ السَّابِقَةُ فِيمَا إذَا أَتْلَفَهَا الْمُهْدِي. أَمَّا إذَا لَمْ تَفِ الْقِيمَةُ بِمِثْلِهِ لِغَلَاءٍ حَدَثَ، فَيَشْتَرِي دُونَهُ. قَالَ أَصْحَابُنَا وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا إذَا نَذَرَ إعْتَاقَ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ فَقُتِلَ ذَلِكَ الْعَبْدُ، فَإِنَّ الْقِيمَةَ تَكُونُ مِلْكًا لِلنَّادِرِ يَتَصَرَّفُ فِيهَا بِمَا شَاءَ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا عَبْدًا يَعْتِقُهُ، لِأَنَّ مِلْكَهُ لَمْ يَزُلْ عَنْ الْعَبْدِ، وَاَلَّذِي يَسْتَحِقُّ الْعِتْقَ هُوَ الْعَبْدُ وَقَدْ مَاتَ. وَمُسْتَحِقُّو الْهَدْيِ بَاقُونَ.
وَإِنْ لَمْ يَجِدْ بِالْقِيمَةِ مَا يَصْلُحْ هَدْيًا فَوَجْهَانِ أحدهما: وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْمُهْدِيَ أَنْ يَضُمَّ إلَى الْقِيمَةِ مِنْ مَالِهِ مَا يَحْصُلُ بِهِ هَدْيٌ لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَمَنْ قَالَ بِهَذَا يُمْكِنُ أَنْ يَطْرُدَهُ فِي التَّلَفِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ ضَمُّ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ لِعَدَمِ تَقْصِيرِهِ، فَعَلَى هَذَا إنْ أَمْكَنَ أَنْ يَشْتَرِيَ شِقْصَ هَدْيٍ فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا: يَلْزَمُهُ شِرَاؤُهُ وَذَبْحُهُ مَعَ شَرِيكِهِ وَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُ الْقِيمَةِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ: كَمَا سَبَقَ فِي إتْلَافِ الْمُهْدِي. وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ شِقْصَ هَدْيٍ فَفِيهِ الْوَجْهُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ. وَقَدْ رَتَّبَ الْمَاوَرْدِيُّ هَذِهِ الصُّوَرَ تَرْتِيبًا حَسَنًا فَقَالَ: إنْ كَانَ الْمُتْلَفُ ثَنِيَّةَ ضَأْنٍ مَثَلًا وَلَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَشْتَرِيَ بِالْقِيمَةِ مِثْلَهَا وَأَمْكَنَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا جَذَعَةَ ضَأْنٍ وَثَنِيَّةَ مَعْزٍ، تَعَيَّنَ الضَّأْنُ رِعَايَةً لِلنَّوْعِ، وَإِنْ أَمْكَنَ ثَنِيَّةُ مَعْزٍ دُونَ جَذَعَةِ ضَأْنٍ تَعَيَّنَ الْأَوَّلُ، لِأَنَّ الثَّانِي لَا يَصْلُحُ هَدْيًا، وَإِنْ أَمْكَنَ دُونَ جَذَعَةِ ضَأْنٍ وَدُونَ ثَنِيَّةِ مَعْزٍ وَأَمْكَنَ شِرَاءُ سَهْمٍ فِي شَاةٍ تَعَيَّنَ الْأَوَّلُ، لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يَصْلُحُ لِلْهَدْيِ فَتَرَجَّحَ الْأَوَّلُ، لِأَنَّ فِيهِ إرَاقَةَ دَمٍ كَامِلٍ، وَإِنْ أَمْكَنَ شِرَاءُ سَهْمٍ وَشِرَاءُ لَحْمٍ تَعَيَّنَ الْأَوَّلُ لِأَنَّ فِيهِ شَرِكَةً فِي إرَاقَةِ دَمٍ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إلَّا شِرَاءُ اللَّحْمِ وَتَفْرِقَةُ الدَّرَاهِمِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 هكذا بالأصل وانظر أين الوجه الثاني؟ ولعل الوجه الثاني جواز إخراج القيمة ويتصدق بها. (المطيعي)