ج / 8 ص -205- وَإِنْ أَتْلَفَهَا لَزِمَهُ الضَّمَانُ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَالَ الْمَسَاكِينِ فَلَزِمَهُ ضَمَانُهُ، وَيَضْمَنُهُ بِأَكْثَرِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ هَدْيِ مِثْلِهِ، لِأَنَّهُ لَزِمَهُ الْإِرَاقَةُ وَالتَّفْرِقَةُ وَقَدْ فَوَّتَ الْجَمِيعَ فَلَزِمَهُ ضَمَانُهَا، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ شَيْئَيْنِ. فَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ مِثْلَ ثَمَنِ مِثْلِهِ اشْتَرَى مِثْلَهُ وَأَهْدَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ لَزِمَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِثْلَهُ وَيُهْدِيَهُ، وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ نَظَرْت فَإِنْ كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ هَدْيَيْنِ - اشْتَرَاهُمَا، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ اشْتَرَى هَدْيًا، وَفِيمَا يَفْضُلُ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أحدها: يَشْتَرِي بِهِ جُزْءًا مِنْ حَيَوَانٍ، وَيَذْبَحُ لِأَنَّ إرَاقَةَ الدَّمِ مُسْتَحَقَّةٌ، فَإِذَا أَمْكَنَ لَمْ يُتْرَكْ والثاني: أَنَّهُ يَشْتَرِي بِهِ اللَّحْمَ لِأَنَّ اللَّحْمَ وَالْإِرَاقَةَ مَقْصُودَانِ وَالْإِرَاقَةُ تَشُقُّ فَسَقَطَتْ، وَالتَّفْرِقَةُ لَا تَشُقُّ فَلَمْ تَسْقُطْ وَالثَّالِثُ: أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالْفَاضِلِ، لِأَنَّهُ إذَا سَقَطَتْ الْإِرَاقَةُ كَانَ اللَّحْمُ وَالْقِيمَةُ وَاحِدًا.
وَإِنْ أَتْلَفَهَا أَجْنَبِيٌّ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْقِيمَةُ، فَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ مِثْلَ ثَمَنِ مِثْلِهَا اشْتَرَى بِهَا مِثْلَهَا، وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ وَلَمْ تَبْلُغْ ثَمَنَ مِثْلَيْنِ اشْتَرَى الْمِثْلَ، وَفِي الْفَاضِلِ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ، وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ فَفِيهِ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ، وَإِنْ كَانَ فِي الْهَدْيِ الَّذِي نَذَرَهُ اشْتَرَاهُ وَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا بَعْدَ النَّذْرِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ، لِأَنَّهُ قَدْ أَيِسَ مِنْ الرَّدِّ لِحَقِّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَيَرْجِعُ بِالْأَرْشِ وَيَكُونُ الْأَرْشُ لِلْمَسَاكِينِ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ الْجُزْءِ الْفَائِتِ الَّذِي الْتَزَمَهُ بِالنَّذْرِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ هَدْيًا فَفِيهِ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ.
الشرح: حَدِيثُ أَبِي قَبِيصَةَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي"صَحِيحِهِ"، وَاسْمُ أَبِي قَبِيصَةَ ذُؤَيْبُ بْنُ حَلْحَلَةَ الْخُزَاعِيُّ وَالِدُ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ الْفَقِيهِ الْمَشْهُورِ التَّابِعِيِّ، وَلَفْظُ الْحَدِيثِ فِي"صَحِيحِ مُسْلِمٍ""عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ذُؤَيْبًا أَبَا قَبِيصَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَبْعَثُ مَعَهُ بِالْبُدْنِ ثُمَّ يَقُولُ: إنْ عَطِبَ مِنْهَا شَيْءٌ فَخَشِيت عَلَيْهِ مَوْتًا فَانْحَرْهَا ثُمَّ اغْمِسْ نَعْلَهَا فِي دَمِهَا ثُمَّ اضْرِبْ بِهِ صَفْحَتَهَا وَلَا تَطْعَمْهَا أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِك"وَعَنْ نَاجِيَةَ الْأَسْلَمِيِّ:"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ مَعَهُ بِهَدْيٍ فَقَالَ: إنْ عَطِبَ فَانْحَرْهُ، ثُمَّ اُصْبُغْ نَعْلَهُ فِي دَمِهِ، ثُمَّ خَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنُ مَاجَهْ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَأَمَّا أَلْفَاظُ الْفَصْلِ فَقَوْلُهُ: خَافَ أَنْ يَهْلِكَ - هُوَ بِكَسْرِ اللَّامِ - وَقَوْلُهُ:"غَمَسَ نَعْلَهُ"يَعْنِي النَّعْلَ الْمُعَلَّقَةَ فِي عُنُقِهِ، كَمَا سَبَقَ أَنَّهُ يُسَنُّ أَنْ يُقَلِّدَهَا نَعْلَيْنِ. قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم"وَلَا تَطْعَمْهَا"هُوَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْعَيْنِ، أَيْ لَا تَأْكُلْهَا، وَالرُّفْقَةُ بِضَمِّ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا قَوْلُهُ:"هَدْيٌ مَعْكُوفٌ عَنْ الْحَرَمِ"أَيْ مَحْبُوسٌ. وَقَوْلُهُ:"بِأَكْثَرِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ وَهَدْيٍ"هَكَذَا وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ هُنَا، وَهَدْيٌ بِالْوَاوِ، وَوَقَعَ بَعْضُهَا أَوْ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُنْكَرُ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ مِثْلُهُ، وَلَكِنَّ الصَّوَابَ هُوَ الْأَوَّلُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
أما الأحكام: فَفِيهَا مَسَائِلُ:
إحداها: إذَا عَطِبَ الْهَدْيُ فِي الطَّرِيقِ وَخَافَ هَلَاكَهُ، قَالَ أَصْحَابُنَا: إنْ كَانَ تَطَوُّعًا فَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ مَا شَاءَ مِنْ بَيْعٍ وَذَبْحٍ وَأَكْلٍ وَإِطْعَامٍ وَتَرْكِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مَنْذُورًا لَزِمَهُ ذَبْحُهُ، فَإِنْ تَرَكَهُ حَتَّى هَلَكَ لَزِمَهُ ضَمَانُهُ، كَمَا لَوْ فَرَّطَ فِي حِفْظِ الْوَدِيعَةِ حَتَّى تَلِفَتْ. وَإِذَا ذَبَحَهُ غَمَسَ النَّعْلَ الَّتِي قَلَّدَهُ إيَّاهَا فِي دَمِهِ وَضَرَبَ بِهَا صَفْحَةَ سَنَامِهِ وَتَرَكَهُ مَوْضِعَهُ لِيَعْلَمَ مَنْ مَرَّ بِهِ أَنَّهُ هَدْيٌ فَيَأْكُلَهُ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَا يَجُوزُ لِلْمُهْدِي وَلَا لِسَائِقِ هَذَا الْهَدْيِ وَقَائِدِهِ الْأَكْلُ مِنْهُ بِلَا خِلَافٍ