ج / 8 ص -191- وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لَا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ يَوْمَيْنِ إلَّا وَمَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ:"مَسِيرَةَ يَوْمٍ"وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ:"لَيْلَةً"وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ فِي"سُنَنِ أَبِي دَاوُد""مَسِيرَةَ بَرِيدٍ"وَقِيَاسًا عَلَى حَجِّ التَّطَوُّعِ وَسَفَرِ التِّجَارَةِ وَالزِّيَارَةِ وَنَحْوِهِمَا.
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ:"بَيْنَمَا أَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إذْ أَتَى رَجُلٌ فَشَكَا إلَيْهِ الْفَاقَةَ، ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ فَشَكَا قَطْعَ السَّبِيلِ، فَقَالَ: يَا عَدِيُّ هَلْ رَأَيْت الْحِيرَةَ؟ قُلْت: لَمْ أَرَهَا وَقَدْ أُنْبِئْتُ عَنْهَا، قَالَ: فَإِنْ طَالَ بِك حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنْ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ، لَا تَخَافُ إلَّا اللَّهَ، قَالَ عَدِيٌّ: فَرَأَيْت الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنْ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تَخَافُ إلَّا اللَّهَ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَسَبَقَ ذِكْرُهُ فِي اسْتِطَاعَةِ الْمَرْأَةِ فَإِنْ قِيلَ: لَا يَلْزَمُ مِنْ حَدِيث عَدِيٍّ جَوَازُ سَفَرِهَا بِغَيْرِ مَحْرَمٍ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَخْبَرَ بِأَنَّ هَذَا سَيَقَعُ وَوَقَعَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ جَوَازُهُ، كَمَا أَخْبَرَ صلى الله عليه وسلم بِأَنَّهُ سَيَكُونُ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ جَوَازُهُ. قَالَ أَصْحَابُنَا: فَجَوَابُهُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ خَرَجَ فِي سِيَاقِ ذَمِّ الْحَوَادِثِ.
وأما: حَدِيثُ عَدِيٍّ فَخَرَجَ فِي سِيَاقِ الْمَدْحِ وَالْفَضِيلَةِ وَاسْتِعْلَاءِ الْإِسْلَامِ وَرَفْعِ مَنَارِهِ، فَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فَإِنْ قِيلَ: هَذَا الْخَبَرُ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ فِيهِ أَنَّهَا تَخْرُجُ بِغَيْرِ جِوَارٍ وَلَا خِلَافَ أَنَّهَا لَا تَخْرُجُ بِغَيْرِ جِوَارٍ، وَلَوْ امْرَأَةً وَاحِدَةً فَالْجَوَابُ: أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِنَا جَوَّزَ خُرُوجَهَا وَحْدَهَا بِغَيْرِ امْرَأَةٍ كَمَا سَبَقَ، وَعَلَى مَذْهَبٍ الشَّافِعِيِّ وَمَنْصُوصِهِ يُشْتَرَطُ الْمَرْأَةُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ تَرْكُ الظَّاهِرِ لِأَنَّ حَقِيقَتَهُ أَنْ لَا يَكُونَ مَعَهَا جِوَارٌ أَصْلًا - وَالْجِوَارُ الْمُلَاصِقُ وَالْقَرِيبُ - وَنَحْنُ لَا نَشْتَرِطُ فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي تَخْرُجُ مَعَهَا كَوْنَهَا مُلَازِمَةً لَهَا، فَإِنْ مَشَتْ قُدَّامَ الْقَافِلَةِ أَوْ بَعْدَهَا بَعِيدَةً عَنْ الْمَرْأَةِ جَازَ، فَحَصَلَ مِنْ هَذَا أَنَّا نَقُولُ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، هَذَا كَلَامُ أَبِي حَامِدٍ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلِأَنَّهُ سَفَرٌ وَاجِبٌ فَلَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ الْمَحْرَمُ كَالْهِجْرَةِ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَقِيَاسًا عَلَى مَا إذَا كَانَتْ الْمَسَافَةُ مَرْحَلَتَيْنِ، فَإِنَّ الْحَنَفِيَّةَ وَافَقُونَا عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْمَحْرَمُ فَإِنْ قَالُوا: إنَّمَا جَازَ فِي الْمَرْحَلَتَيْنِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَفَرٍ قُلْنَا: هَذَا مُخَالِفٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ السَّابِقَةِ.
وأما: الْجَوَابُ عَنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا فَمِنْ أَوْجُهٍ أحدها: جَوَابُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَآخَرِينَ أَنَّهَا عَامَّةٌ فَنَخُصُّهَا بِمَا ذَكَرْنَاهُ والثاني: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى سَفَرِ التِّجَارَةِ وَالزِّيَارَةِ وَحَجِّ التَّطَوُّعِ وَسَائِرِ الْأَسْفَارِ غَيْرَ سَفَرِ الْحَجِّ الْوَاجِبِ الثَّالِثُ: ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ الطَّرِيقُ آمِنًا وَالْجَوَابُ: عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى حَجِّ التَّطَوُّعِ وَسَفَرِ التِّجَارَةِ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ بِخِلَافِ حَجِّ الْفَرْضِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَإِنْ أَحْرَمَ الْوَلَدُ بِغَيْرِ إذْنِ الْأَبَوَيْنِ فَإِنْ كَانَ فِي حَجِّ فَرْضٍ - لَمْ يَكُنْ لَهُمَا تَحْلِيلُهُ، لِأَنَّهُ فَرْضٌ، فَلَمْ يَجُزْ إخْرَاجُهُ مِنْهُ كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، وَإِنْ كَانَ فِي حَجِّ تَطَوُّعٍ فَفِيهِ قَوْلَانِ أحدهما: يَجُوزُ لَهُمَا تَحْلِيلُهُ. لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُجَاهِدَ وَلَهُ أَبَوَانِ: