ج / 8 ص -181- قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ: أَمَّا وَقْتُ التَّحَلُّلِ فَيَنْظُرُ إنْ كَانَ وَاجِدًا لِلْهَدْيِ ذَبَحَهُ وَنَوَى التَّحَلُّلَ عِنْدَ ذَبْحِهِ، وَهَذِهِ النِّيَّةُ شَرْطٌ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ إنَّمَا كَرِهَ الْمُصَنِّفُ ثُمَّ يَحْلِقُ، وَهُوَ شَرْطٌ لِلتَّحَلُّلِ إنْ قُلْنَا إنَّ الْحَلْقَ نُسُكٌ، وَإِلَّا فَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَصَحِّ إنَّ الْحَلْقَ نُسُكٌ حَصَلَ لَهُ التَّحَلُّلُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: الذَّبْحُ وَالنِّيَّةُ وَالْحَلْقُ، وَإِلَّا فَالذَّبْحُ وَالنِّيَّةُ، وَهَذَا كُلُّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ إلَّا مَا انْفَرَدَ بِهِ الرُّويَانِيُّ فَقَالَ مَا ذَكَرْنَاهُ ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِخُرَاسَانَ: فِي وَقْتِ تَحَلُّلِ وَاجِدِ الْهَدْيِ قَوْلَانِ أحدهما: هَذَا والثاني: يَجُوزُ أَنْ يَتَحَلَّلَ ثُمَّ يَذْبَحَ، وَهَذَا غَلَطٌ. وَأَمَّا إذَا فَقَدَ الْهَدْيَ فإن قلنا: لَا بَدَلَ لَهُ، فَهَلْ يَتَحَلَّلُ فِي الْحَالِ بِالنِّيَّةِ وَالْحَلْقِ إذَا جَعَلْنَاهُ نُسُكًا؟ فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا أصحهما: إذَا تَحَلَّلَ فِي الْحَالِ، فَعَلَى هَذَا يُشْتَرَطُ النِّيَّةُ قَطْعًا، وَكَذَا الْحَلْقُ إنْ جَعَلْنَاهُ نُسُكًا والثاني: لَا يَتَحَلَّلُ إلَّا بِذَبْحِهِ مَعَ النِّيَّةِ وَالْحَلْقِ.
وإن قلنا: لِلْهَدْيِ بَدَلٌ، فَإِنْ قُلْنَا هُوَ الْإِطْعَامُ تَوَقَّفَ التَّحَلُّلُ عَلَيْهِ، وَعَلَى النِّيَّةِ وَالْحَلْقِ إنْ وُجِدَ الْإِطْعَامُ، فَإِنْ فَقَدَهُ فَهَلْ يَتَحَلَّلُ فِي الْحَالِ؟ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ: فِيهِ قَوْلَانِ كَمَا إذَا قُلْنَا لَا بَدَلَ الْأَصَحُّ: يَتَحَلَّلُ فِي الْحَالِ والثاني: لَا، حَتَّى يُطْعِمَ وإن قلنا: بَدَلُهُ الصَّوْمُ أَوْ مُخَيَّرٌ وَاخْتَارَ الصَّوْمَ، فَهَلْ يَتَحَلَّلُ فِي الْحَالِ أَمْ لَا يَتَحَلَّلُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ الصَّوْمِ؟ فِيهِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا وَالْأَكْثَرُونَ وَجْهَيْنِ. وَحَكَاهُ فِي"التَّنْبِيهِ"قَوْلَيْنِ أصحهما: يَتَحَلَّلُ فِي الْحَالِ، فَعَلَى هَذَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ بِلَا خِلَافٍ، وَكَذَا الْحَلْقُ إنْ قُلْنَا هُوَ نُسُكٌ وَإِلَّا فَالنِّيَّةُ وَحْدَهَا، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
فرع: قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ: الْحَصْرُ ضَرْبَانِ عَامٌّ وَخَاصٌّ، فَالْعَامُّ سَبَقَ حُكْمُهُ، وَالْخَاصُّ هُوَ الَّذِي يَقَعُ لِوَاحِدٍ أَوْ شِرْذِمَةٍ مِنْ الرُّفْقَةِ، فَيُنْظَرُ إنْ لَمْ يَكُنْ الْمَحْصُورُ مَعْذُورًا فِيهِ، كَمَنْ حُبِسَ فِي دَيْنٍ يُمْكِنُهُ أَدَاؤُهُ فَلَيْسَ لَهُ التَّحَلُّلُ، بَلْ عَلَيْهِ أَدَاءُ الدَّيْنِ وَالْمُضِيُّ فِي الْحَجِّ، فَإِنْ تَحَلَّلَ لَمْ يَصِحَّ تَحَلُّلُهُ وَلَا يَخْرُجُ مِنْ الْحَجِّ بِذَلِكَ بِلَا خِلَافٍ، فَإِنْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَهُوَ فِي الْحَبْسِ كَانَ كَغَيْرِهِ مِمَّنْ فَاتَهُ الْحَجُّ بِلَا إحْصَارٍ فَيَلْزَمُهُ قَصْدُ مَكَّةَ وَالتَّحَلُّلُ بِأَفْعَالِ عُمْرَةٍ، وَهُوَ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ وَالْحَلْقُ كَمَا سَبَقَ، وَإِنْ كَانَ مَعْذُورًا كَمَنْ حَبَسَهُ السُّلْطَانُ ظُلْمًا أَوْ بِدَيْنٍ لَا يُمْكِنُهُ أَدَاؤُهُ فَطَرِيقَانِ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ يَجُوزُ لَهُ التَّحَلُّلُ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ والثاني: حَكَاهُ الْخُرَاسَانِيُّونَ فِيهِ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا جَوَازُ التَّحَلُّلِ والثاني: لَا، لِأَنَّهُ قَادِرٌ وَالصَّوَابُ الْجَوَازُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: إذَا تَحَلَّلَ الْمُحْصَرُ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ: إنْ كَانَ نُسُكُهُ تَطَوُّعًا فَلَا قَضَاءَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَطَوُّعًا نُظِرَ إنْ كَانَ وَاجِبًا مُسْتَقِرًّا كَالْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ وَحَجَّةِ الْإِسْلَامِ الَّتِي اسْتَقَرَّ وُجُوبُهَا قَبْلَ هَذِهِ السَّنَةِ بَقِيَ الْوُجُوبُ فِي ذِمَّتِهِ كَمَا كَانَ وَإِنَّمَا أَفَادَهُ الْإِحْصَارُ جَوَازَ الْخُرُوجِ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ، وَهِيَ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنْ سِنِي الْإِمْكَانِ سَقَطَتْ الِاسْتِطَاعَةُ فَلَا حَجَّ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ تَجْتَمِعَ فِيهِ شُرُوطُ الِاسْتِطَاعَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَوْ تَحَلَّلَ بِالْإِحْصَارِ ثُمَّ زَالَ الْإِحْصَارُ وَالْوَقْتُ وَاسِعٌ وَأَمْكَنَهُ الْحَجُّ مِنْ سَنَتِهِ اسْتَقَرَّ الْوُجُوبُ عَلَيْهِ لِوُجُودِ الِاسْتِطَاعَةِ لَكِنْ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ الْحَجَّ عَنْ هَذِهِ السَّنَةِ. لِأَنَّ الْحَجَّ عَلَى التَّرَاخِي. وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ قَرِيبًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي حَجِّ التَّطَوُّعِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ قَضَاؤُهُ، وَهُوَ فِي الْحَصْرِ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ جَمِيعًا