ج / 8 ص -179- الْفَسَادِ وَدَمُ الْفَوَاتِ وَدَمُ الْإِحْصَارِ، وَيَلْزَمُهُ قَضَاءُ وَاحِدٍ لِأَنَّ الْحَجَّ وَاحِدٌ.
الشرح: حَدِيثُ تَحَلُّلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِالْحُدَيْبِيَةِ حِينَ صَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ ثَابِتٌ فِي"الصَّحِيحَيْنِ"، وَكَذَا حَدِيثُ نَحْرِهِ هَدْيَهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ كُلُّهَا ثَابِتَةٌ فِي"الصَّحِيحَيْنِ"مِنْ رِوَايَاتِ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم وَكَانَتْ قِصَّةُ الْحُدَيْبِيَةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ سِتٍّ مِنْ الْهِجْرَةِ، وَسَبَقَ بَيَانُ الْحُدَيْبِيَةِ فِي بَابِ الْمَوَاقِيتِ، وَأَنَّهَا تُقَالُ بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَتَشْدِيدِهَا وَالتَّخْفِيفُ أَفْصَحُ. وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ"لِأَنَّهُ دَمٌ تَعَلَّقَ وُجُوبُهُ بِالْإِحْرَامِ"فِيهِ احْتِرَازٌ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ وَالْعَقِيقَةِ وَقَوْلُهُ:"تَطَوُّعٌ أُبِيحَ الْخُرُوجُ مِنْهُ"احْتِرَازٌ مِنْ حَجِّ التَّطَوُّعِ إذَا تَحَلَّلَ مِنْهُ بِالْفَوَاتِ فَإِنَّهُ يَجِبُ قَضَاؤُهُ. وَقَوْلُهُ:"بِسَبَبٍ يَخْتَصُّ بِهِ"احْتِرَازٌ مِنْ الْحَصْرِ الْعَامِّ. وَقَوْلُهُ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ، فَأَشْبَهَ إذَا أَخْطَأَ الطَّرِيقَ أَوْ أَخْطَأَ الْعَدَدَ، وَهُوَ وَحْدَهُ أَوْ فِي طَائِفَةٍ يَسِيرَةٍ. فَأَمَّا الْجَمْعُ الْكَثِيرُ فَلَا يَلْزَمُهُمْ الْقَضَاءُ بِالْخَطَأِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ قَرِيبًا.
أما الأحكام: فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ رحمهم الله: لَا فَرْقَ فِي جَوَازِ التَّحَلُّلِ بِالْإِحْصَارِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْوُقُوفِ أَوْ بَعْدَهُ، وَلَا بَيْنَ الْإِحْصَارِ عَنْ الْبَيْتِ فَقَطْ أَوْ الْمَوْقِفِ فَقَطْ أَوْ عَنْهُمَا أَوْ عَنْ الْمَسْعَى، فَيَجُوزُ التَّحَلُّلُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ بِلَا خِلَافٍ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ آخَرُ يُمْكِنُهُ سُلُوكُهُ، فَإِنْ كَانَ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ سَبَقَ بَيَانُهُ قَبْلَ هَذَا الْفَصْلِ وَاضِحًا، وَذَكَرْنَا هُنَاكَ أَيْضًا أَنَّ تَعْجِيلَ التَّحَلُّلِ أَفْضَلُ أَمْ تَأْخِيرُهُ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَإِذَا كَانَ حَصْرُهُ قَبْلَ الْوُقُوفِ وَأَقَامَ عَلَى إحْرَامِهِ حَتَّى فَاتَهُ الْحَجُّ فَإِنْ أَمْكَنَهُ التَّحَلُّلُ بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ مَعَ الْحَلْقِ إذَا جَعَلْنَاهُ نُسُكًا لَزِمَهُ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَدَمُ الْفَوَاتِ، وَإِنْ لَمْ يَزُلْ الْحَصْرُ تَحَلَّلَ بِالْهَدْيِ وَعَلَيْهِ مَعَ الْقَضَاءِ هَدْيَانِ هَدْيٌ لِلْفَوَاتِ وَهَدْيٌ لِلتَّحَلُّلِ بِالْإِحْصَارِ، وَقَدْ سَبَقَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَرِيبًا.
وَإِنْ كَانَ الْإِحْصَارُ بَعْدَ الْوُقُوفِ فَإِنْ تَحَلَّلَ فَذَاكَ، وَهَلْ لَهُ الْبِنَاءُ عَلَى مَا مَضَى إذَا زَالَ الْإِحْصَارُ بَعْدَ ذَلِكَ؟ فِيهِ الْقَوْلَانِ السَّابِقَانِ الْجَدِيدُ: الْأَصَحُّ لَا يَجُوزُ والقديم: الْجَوَازُ، وَعَلَى هَذَا يُحْرِمُ إحْرَامًا نَاقِصًا وَيَأْتِي بِبَقِيَّةِ الْأَعْمَالِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ بَنَى مَعَ الْإِمْكَانِ وَجَبَ الْقَضَاءُ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ فِيهِ وَجْهَانِ، وَإِنْ لَمْ يَتَحَلَّلْ حَتَّى فَاتَهُ الرَّمْيُ وَالْمَبِيتُ فَهُوَ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى وُجُوبِ الدَّمِ لِفَوَاتِهِمَا كَغَيْرِ الْمُحْصَرِ، وَبِمَاذَا يَتَحَلَّلُ؟ يُبْنَى عَلَى أَنَّ الْحَلْقَ نُسُكٌ أَمْ لَا، وَعَلَى فَوَاتِ زَمَانِ الرَّمْيِ كَالرَّمْيِ أَمْ لَا؟ فِيهِمَا خِلَافٌ سَبَقَ.
فَإِنْ قُلْنَا: فَوَاتُ زَمَانِ الرَّمْيِ كَالرَّمْيِ وَقُلْنَا: الْحَلْقُ نُسُكٌ حَلَقَ وَحَصَلَ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ وإن قلنا: لَيْسَ بِنُسُكٍ حَصَلَ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ بِمُضِيِّ زَمَانِ الرَّمْيِ. وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَالطَّوَافُ بَاقٍ عَلَيْهِ، فَمَتَى أَمْكَنَهُ طَافَ فَيُتِمُّ حَجَّهُ، وَلَا بُدَّ مِنْ السَّعْيِ إنْ لَمْ يَكُنْ سَعَى. ثُمَّ إذَا تَحَلَّلَ بِالْإِحْصَارِ الْوَاقِعِ بَعْدَ الْوُقُوفِ فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَآخَرُونَ مِنْ غَيْرِهِمْ، لَكِنْ لَا تُجْزِئُهُ حَجَّتُهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يُكْمِلْهَا. وَحَكَى صَاحِبُ"التَّقْرِيبِ"وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَمُتَابِعُوهُمَا مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ قَوْلَيْنِ، وَطَرَدُوهُمَا فِي كُلِّ صُورَةٍ أَتَى فِيهَا بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِنُسُكٍ لِتَأَكُّدِهَا الْإِحْرَامَ بِذَلِكَ النُّسُكِ.