فهرس الكتاب

الصفحة 2865 من 4102

ج / 8 ص -177- فرع: قَالَ أَصْحَابُنَا: إذَا تَحَلَّلَ الْحَاجُّ فَإِنْ لَمْ يَزُلْ الْإِحْصَارُ فَلَهُ الرُّجُوعُ إلَى وَطَنِهِ، وَإِنْ انْصَرَفَ الْعَدُوُّ - فَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ وَاسِعًا بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ تَجْدِيدُ الْإِحْرَامِ وَإِدْرَاكُ الْحَجِّ، فَإِنْ كَانَ حَجُّهُ تَطَوُّعًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ حَجُّهُ تَقَدَّمَ وُجُوبَهَا بَقِيَ وُجُوبُهَا كَمَا كَانَ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُجَدِّدَ الْإِحْرَامَ بِهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَلَهُ التَّأْخِيرُ وَإِنْ كَانَتْ حَجَّةً وَجَبَتْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بِأَنْ اسْتَطَاعَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ دُونَ مَا قَبْلَهَا فَقَدْ اسْتَقَرَّ الْوُجُوبُ فِي ذِمَّتِهِ لِتَمَكُّنِهِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُحْرِمَ بِهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَلَهُ التَّأْخِيرُ لِأَنَّ الْحَجَّ عِنْدَنَا عَلَى التَّرَاخِي، وَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ ضَيِّقًا بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ إدْرَاكُ الْحَجِّ سَقَطَ عَنْهُ الْوُجُوبُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فَإِنْ اسْتَطَاعَ بَعْدَهُ لَزِمَهُ، وَإِلَّا فَلَا. إلَّا أَنْ يَكُونَ سَبَقَ وُجُوبُهَا قَبْلَ هَذِهِ السَّنَةِ وَاسْتَقَرَّتْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فرع: قَالَ أَصْحَابُنَا: إذَا قَالَ الْعَدُوُّ الصَّادُّونَ بَعْدَ صَدِّهِمْ: قَدْ آمَنَّاكُمْ، وَخَلَّيْنَا لَكُمْ الطَّرِيقَ، فَإِنْ وَثِقُوا بِقَوْلِهِمْ فَأَمِنُوا غَدْرَهُمْ لَمْ يَجُزْ التَّحَلُّلُ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ تَحَلَّلَ، لِأَنَّهُ لَا صَدَّ، وَإِنْ خَافُوا غَدْرَهُمْ فَلَهُمْ التَّحَلُّلُ.

فرع: اعْتَرَضَ أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَصْرُونَ عَلَى الْمُصَنِّفِ فِي قَوْلِهِ لِأَنَّ قِتَالَ الْكُفَّارِ لَا يَجِبُ إلَّا إذَا بَدَءُوا بِالْحَرْبِ، وَقَالَ: هَذَا سَهْوٌ مِنْهُ، بَلْ قِتَالُ الْكُفَّارِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَهَذَا الِاعْتِرَاضُ غَلَطٌ مِنْ قَائِلِهِ، بَلْ الَّذِي قَالَهُ الْمُصَنِّفُ هُوَ عِبَارَةُ الْأَصْحَابِ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ، لَكِنْ زَادَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْجُمْهُورُ فِيهَا لَفْظَةً فَقَالُوا: لِأَنَّ قِتَالَ الْكُفَّارِ لَا يَجِبُ إلَّا إذَا بَدَءُوا بِهِ أَوْ اسْتَنْفَرَ الْإِمَامُ وَالثُّغُورُ النَّاسَ لِقِتَالِهِمْ، فَهَذِهِ عِبَارَةُ الْأَصْحَابِ، وَمُرَادُهُمْ لَا يَجِبُ عَلَى آحَادِ الرَّعِيَّةِ وَالطَّائِفَةِ مِنْهُمْ، وَأَمَّا الْإِمَامُ فَيَلْزَمُهُ الْغَزْوُ بِالنَّاسِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِسَرَايَاهُ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً إلَّا أَنْ تَدْعُوَ حَاجَةٌ إلَى تَأْخِيرِهِ، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي كِتَابِ السِّيَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَإِنْ أَحْصَرَهُ الْعَدُوُّ عَنْ الْوُقُوفِ أَوْ الطَّوَافِ أَوْ السَّعْيِ فَإِنْ كَانَ لَهُ طَرِيقٌ آخَرُ يُمْكِنُهُ الْوُصُولُ مِنْهُ إلَى مَكَّةَ لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّحَلُّلُ قَرُبَ أَوْ بَعُدَ، لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَدَاءِ النُّسُكِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّحَلُّلُ، بَلْ يَمْضِي وَيُتَمِّمُ النُّسُكَ، وَإِنْ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْآخَرَ فَفَاتَهُ الْحَجُّ تَحَلَّلَ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ، وَفِي الْقَضَاءِ قَوْلَانِ:

أحدهما: يَجِبُ عَلَيْهِ. لِأَنَّهُ فَاتَهُ الْحَجُّ فَأَشْبَهَ إذَا أَخْطَأَ الطَّرِيقَ أَوْ أَخْطَأَ الْعَدَدَ.

وَالثَّانِي: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ تَحَلَّلَ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ فَلَمْ يَلْزَمْهُ الْقَضَاءُ، كَمَا لَوْ تَحَلَّلَ بِالْإِحْصَارِ، فَإِنْ أُحْصِرَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ آخَرُ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَحْصَرَهُ الْمُشْرِكُونَ فِي الْحُدَيْبِيَةِ فَتَحَلَّلَ، وَلِأَنَّا لَوْ أَلْزَمْنَاهُ الْبَقَاءَ عَلَى الْإِحْرَامِ رُبَّمَا طَالَ الْحَصْرُ سِنِينَ فَتَلْحَقُهُ الْمَشَقَّةُ الْعَظِيمَةُ فِي الْبَقَاءِ عَلَى الْإِحْرَامِ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] . فَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ وَاسِعًا فَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَتَحَلَّلَ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا زَالَ الْحَصْرُ وَأَتَمَّ النُّسُكَ. وَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ ضَيِّقًا فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَتَحَلَّلَ حَتَّى لَا يَفُوتَهُ الْحَجُّ، فَإِنْ اخْتَارَ التَّحَلُّلَ - نَظَرْت فَإِنْ كَانَ وَاجِدًا لِلْهَدْيِ - لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ حَتَّى يُهْدِيَ، لقوله تعالى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} [البقرة: 196] فَإِنْ كَانَ فِي الْحَرَمِ ذَبَحَ الْهَدْيَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْوُصُولِ إلَى الْحَرَمِ ذَبَحَ الْهَدْيَ حَيْثُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت