فهرس الكتاب

الصفحة 2856 من 4102

ج / 8 ص -168- وَاخْتَلَفُوا عَلَى هَذَا فِي تَأْوِيلِ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي"الْإِمْلَاءِ"وَحَرْمَلَةَ"وَالْقَدِيمِ"فَذَكَرَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَآخَرُونَ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ كَانَ سَعَى بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ، وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ تَأْوِيلًا آخَرَ أَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى الطَّوَافِ فِي اللَّفْظِ وَمُرَادُهُ الطَّوَافُ مَعَ السَّعْيِ، وَإِنَّمَا حَذَفَهُ اخْتِصَارًا لِلْعِلْمِ بِهِ، قَالَ: وَهَذَا مُعْتَادٌ فِي الْكَلَامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَأَمَّا الْحَلْقُ: فَإِنْ قُلْنَا: هُوَ نُسُكٌ وَجَبَ وَإِلَّا فَلَا وَالْحَاصِلُ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ أَنَّهُ يَجِبُ الطَّوَافُ قَطْعًا، وَفِي السَّعْيِ طَرِيقَانِ الْمَذْهَبُ: وُجُوبُهُ والثاني: عَلَى قَوْلَيْنِ وَفِي الْحَلْقِ قَوْلَانِ أصحهما: وُجُوبُهُ والثاني: لَا، وَإِنْ اقْتَصَرْت عَلَى الرَّاجِحِ قلت: يَجِبُ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ وَالْحَلْقُ، وَأَمَّا الْمَبِيتُ وَالرَّمْيُ، فَإِنْ فَاتَ وَقْتُهُمَا لَمْ يَجِبَا، وَإِنْ بَقِيَ فَوَجْهَانِ الصَّحِيحُ: الْمَنْصُوصُ، وَبِهِ قَطَعَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا لَا يَجِبَانِ والثاني: يَجِبَانِ. قَالَهُ الْمُزَنِيّ وَالْإِصْطَخْرِيُّ، وَدَلِيلُ الْجَمِيعِ فِي الْكِتَابِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

قَالَ أَصْحَابُنَا: وَإِذَا تَحَلَّلَ بِأَعْمَالِ الْعُمْرَةِ لَا يَنْقَلِبُ حَجُّهُ عُمْرَةً، وَلَا تُجْزِئُهُ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ، وَلَا تُحْسَبُ عُمْرَةً أُخْرَى، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَالْمَنْصُوصُ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ، وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ السِّنْجِيِّ أَنَّهُ حَكَى فِي"شَرْحِ التَّلْخِيصِ"وَجْهًا أَنَّهُ يَنْقَلِبُ عُمْرَةً مُجْزِئَةً، وَهَذَا شَاذٌّ ضَعِيفٌ جِدًّا، وَعَلَى هَذَا الشَّاذِّ لَا بُدَّ مِنْ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ، وَكَذَا الْحَلْقُ إذَا جَعَلْنَاهُ نُسُكًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: وَمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَتَحَلَّلَ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ، هَكَذَا أَطْلَقُوهُ. وَدَلِيلُهُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَعَبَّرَ بَعْضُ الْخُرَاسَانِيِّينَ عِبَارَةً أُخْرَى تُوَافِقُ هَذِهِ فِي الْحُكْمِ فَقَالُوا: إنْ كَانَ تَحَلُّلُهُ مِنْ حَجَّةٍ وَاجِبَةٍ بَقِيَتْ فِي ذِمَّتِهِ كَمَا كَانَتْ، وَإِنْ كَانَ مِنْ حَجَّةِ تَطَوُّعٍ لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا كَمَا لَوْ أَفْسَدَهَا.

وَفِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى الْفَوْرِ - وَهُوَ فِي السَّنَةِ الْآتِيَةِ - وَجْهَانِ كَمَا سَبَقَ فِي الْإِفْسَادِ أصحهما: يَجِبُ عَلَى الْفَوْرِ، لِحَدِيثِ عُمَرَ رضي الله عنه. وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِتَصْحِيحِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَالرَّافِعِيُّ، وَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ عُمْرَةٍ مَعَ قَضَاءِ الْحَجِّ عِنْدَنَا بِلَا خِلَافٍ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ دَمُ الْفَوَاتِ وَهُوَ شَاذٌّ. وَهَلْ يَجِبُ فِي سَنَةِ الْفَوَاتِ أَمْ فِي سَنَةِ الْقَضَاءِ؟ فِيهِ خِلَافٌ، مِنْهُمْ مَنْ يَحْكِيهِ قَوْلَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْكِيهِ وَجْهَيْنِ كَمَا حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ أصحهما: يَجِبُ تَأْخِيرُهُ إلَى سَنَةِ الْقَضَاءِ وَهُوَ نَصُّهُ فِي"الْإِمْلَاءِ"و"الْقَدِيمِ"والثاني: يَجِبُ فِي سَنَةِ الْفَوَاتِ، وَلَهُ تَأْخِيرُهُ إلَى سَنَةِ الْقَضَاءِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ فِي وَقْتِ وُجُوبِهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْبَنْدَنِيجِيُّ وَغَيْرُهُ.

أحدهما: يَجِبُ فِي سَنَةِ الْفَوَاتِ، وَإِنْ وَجَبَ تَأْخِيرُهُ كَمَا يَجِبُ فِيهَا الْقَضَاءُ وَأَصَحُّهُمَا: أَنَّ الْوُجُوبَ فِي سَنَةِ الْقَضَاءِ، لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ فِي سَنَةِ الْفَوَاتِ لَجَازَ إخْرَاجُهُ فِيهَا فَإِنَّهُ مُمْكِنٌ بِخِلَافِ الْقَضَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ فِيهَا. وَقَدْ سَبَقَ فِي آخِرِ بَابِ مَا يَجِبُ بِمَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ بَيَانُ هَذَا الْخِلَافِ وَمَا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ. وَبَيَانُ بَدَلِ هَذَا الدَّمِ إذَا عَجَزَ عَنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

ثُمَّ إنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ دَمٌ وَاحِدٌ كَمَا ذَكَرْنَا. هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ. وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ فِي الطَّرِيقَيْنِ. وَحَكَى صَاحِبُ"التَّقْرِيبِ"وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَمُتَابِعُوهُ قَوْلًا آخَرَ غَرِيبًا ضَعِيفًا: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ دَمَانِ أحدهما: فِي مُقَابَلَةِ الْفَوَاتِ والثاني: لِأَنَّهُ فِي قَضَاءٍ يُشْبِهُ التَّمَتُّعَ لِكَوْنِهِ تَحَلَّلَ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت