ج / 8 ص -166- الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ:"مَنْ أَدْرَكَهُ الْمَسَاءُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي بِمِنًى فَلْيُقِمْ إلَى الْغَدِ حَتَّى يَنْفِرَ مَعَ النَّاسِ"فَقَالَ: وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو الشَّعْثَاءِ وَعَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَأَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ وَالنَّخَعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالثَّوْرِيُّ وَأَهْل الْعِرَاقُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ، وَبِهِ أَقُولُ. قَالَ: رَوَيْنَا عَنْ الْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ قَالَا:"مَنْ أَدْرَكَهُ الْعَصْرُ وَهُوَ بِمِنًى فِي الْيَوْمِ الثَّانِي لَمْ يَنْفِرْ حَتَّى الْغَدِ"قَالَ: وَلَعَلَّهُمَا قَالَا ذَلِكَ اسْتِحْبَابًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. هَذَا كَلَامُ ابْنِ الْمُنْذِرِ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي"الْمُوَطَّأِ"وَغَيْرِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ:"مَنْ غَرَبَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَهُوَ بِمِنًى مِنْ أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَلَا يَنْفِرَنَّ حَتَّى يَرْمِيَ الْجِمَارَ مِنْ الْغَدِ"، وَهُوَ ثَابِتٌ عَنْ عُمَرَ كَمَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. وَرُوِيَ مَرْفُوعًا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَرَفْعُهُ ضَعِيفٌ. وَأَمَّا الْأَثَرُ الْمَذْكُورُ عَنْ طَلْحَةَ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:"إذَا انْسَلَخَ النَّهَارُ مِنْ يَوْمِ النَّفْرِ الْآخِرِ فَقَدْ حَلَّ الرَّمْيُ وَالصَّدَرُ"فَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ: هُوَ ضَعِيفٌ لِأَنَّ طَلْحَةَ بْنَ عُمَرَ الْمَكِّيَّ هَذَا الرَّاوِي ضَعِيفٌ.
فرع: يَجُوزُ لِأَهْلِ مَكَّةَ النَّفْرُ الْأَوَّلُ كَمَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِمْ، هَذَا مَذْهَبُنَا، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمْ عَطَاءٌ وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه أَنَّهُ مَنَعَهُمْ ذَلِكَ، وَقَالَ مَالِكٌ إنْ كَانَ لَهُمْ عُذْرٌ جَازَ، وَإِلَّا فَلَا، دَلِيلُنَا عُمُومُ قوله تعالى: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 203] .
فرع: ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَصَحَّ فِي مَذْهَبِنَا أَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ وَاجِبٌ يَجِبُ بِتَرْكِهِ دَمٌ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَقَالَ مَالِكٌ وَدَاوُد وَابْنُ الْمُنْذِرِ: هُوَ سُنَّةٌ لَا شَيْءَ فِي تَرْكِهِ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ رِوَايَتَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ، دَلِيلُنَا الْأَحَادِيثُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ وَذَكَرْنَاهَا.
فرع: مَذْهَبُنَا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْحَائِضِ طَوَافُ الْوَدَاعِ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَبِهَذَا قَالَ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُمْ، قَالَ وَرَوَيْنَا عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رضي الله عنه أَنَّهُمْ أَمَرُوا بِبَقَائِهَا لِطَوَافِ الْوَدَاعِ، قَالَ وَرَوَيْنَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَزَيْدٍ الرُّجُوعَ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ: وَتَرَكْنَا قَوْلَ عُمَرَ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ السَّابِقَةِ فِي قِصَّةِ صَفِيَّةَ.
فرع: مَذْهَبُنَا أَنَّهُ إذَا تَرَكَ طَوَافَ الْوَدَاعِ وَقُلْنَا بِوُجُوبِهِ لَزِمَهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ إنْ كَانَ قَرِيبًا، وَهُوَ دُونَ مَرْحَلَتَيْنِ، وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ الرُّجُوعُ وَيَلْزَمُهُ الدَّمُ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ إنْ خَرَجَ مِنْ الْحَرَمِ لَزِمَهُ دَمٌ وَإِلَّا فَلَا.
فرع: إذَا طَافَ لِلْوَدَاعِ فَشَرْطُ الِاعْتِدَادِ بِهِ أَنْ لَا يُقِيمَ بَعْدَهُ، فَإِنْ أَقَامَ لِشُغْلٍ وَنَحْوِهِ لَمْ يُحْسَبْ عَنْ الطَّوَافِ، وَإِنْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ بَعْدَ طَوَافِهِ فَصَلَّاهَا مَعَهُمْ لَمْ يَضُرَّهُ1 لِأَنَّهُ تَأْخِيرٌ يَسِيرٌ لِعُذْرٍ ظَاهِرٍ مَأْمُورٍ بِهِ، وَوَافَقَنَا مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا طَافَ لِلْوَدَاعِ بَعْدَ أَنْ دَخَلَ وَقْتُ النَّفْرِ لَمْ يَضُرَّهُ الْإِقَامَةُ بَعْدَهُ، وَلَوْ بَلَغَتْ شَهْرًا وَأَكْثَرَ وَطَوَافُهُ مَاضٍ عَلَى صِحَّتِهِ، دَلِيلُنَا الْحَدِيثُ السَّابِقُ:"فَلْيَكُنْ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 كذا بالأصل وفيه سقط لعله"لأنه تأخير".