ج / 8 ص -164- حَجَّةَ الْوَدَاعِ، وَمُنَابِذٌ لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُمْكِنُ إحْصَاءُ الْأَحَادِيثِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى تَسْمِيَتِهَا حَجَّةَ الْوَدَاعِ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي"الصَّحِيحَيْنِ"عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ:"كُنَّا نَتَحَدَّثُ عَنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ أَظْهُرِنَا، وَلَا نَدْرِي مَا حَجَّةُ الْوَدَاعِ، حَتَّى حَمِدَ اللَّهَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَر تَمَامَ الْحَدِيثِ فِي خُطْبَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ النَّحْرِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِمِنًى"وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي مَسَائِلَ سَبَقَتْ.
منها: أَنَّ مَذْهَبَنَا جَوَازُ رَمْيِ الْجِمَارِ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْحِجَارَةِ مِنْ الرُّخَامِ وَالْبِرَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُسَمَّى حَجَرًا، وَلَا يَجُوزُ بِمَا لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْحَجَرِ كَالْكُحْلِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أَوْضَحْنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجُوزُ بِكُلِّ مَا هُوَ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ كَالْكُحْلِ وَالزِّرْنِيخِ وَالْمَدَرِ، وَلَا يَجُوزُ بِمَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِهَا، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا النِّسَاءَ"وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: فَأَطْلَقَ الرَّمْيَ. قَالَ أَصْحَابُنَا: ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَمَى الْحَجَرَ. وَقَالَ صلى الله عليه وسلم"لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ"وَالرَّمْيُ الْمُطْلَقُ فِي قَوْلِهِ:"ارْمُوا"مَحْمُولٌ عَلَى الرَّمْيِ الْمَعْرُوفِ.
فرع: إذَا رَمَى حَصَاةً فَوَقَعَتْ عَلَى مَحَلٍّ فَتَدَحْرَجَتْ بِنَفْسِهَا فَوَقَعَتْ فِي الْمَرْمَى أَجْزَأَهُ بِالْإِجْمَاعِ، نَقَلَهُ الْعَبْدَرِيُّ، وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى ثَوْبٍ فَنَفَضَهَا صَاحِبُهُ فَوَقَعَتْ فِي الْمَرْمَى لَمْ يُجِزْهُ عِنْدَنَا، وَبِهِ قَالَ دَاوُد، وَعَنْ أَحْمَدَ يُجْزِئْهُ.
فرع: ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ مِنْ نِصْفِ لَيْلَةِ النَّحْرِ. وَآخِرُهُ آخِرُ عُمْرِ الْإِنْسَانِ، وَإِنْ بَقِيَ خَمْسِينَ سَنَةً أَوْ أَكْثَرَ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ فِي تَأْخِيرِهِ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَوَّلُهُ طُلُوعُ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ وَآخِرُهُ الْيَوْمُ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْهُ لَزِمَهُ دَمٌ. دَلِيلُنَا قوله تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ} [الحج: 29] وَهَذَا قَدْ طَافَ.
فرع: لَا يَجُوزُ رَمْيُ جَمْرَةِ التَّشْرِيقِ إلَّا بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَالْحَسَنُ وَعَطَاءٌ وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ أَشْهَرُهُمَا: وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ: يَجُوزُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَلَا يَجُوزُ فِي الْيَوْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ فِي الْجَمِيعِ. وَسَبَقَ دَلِيلُنَا حَيْثُ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الْمَسْأَلَةَ1.
فرع: تَرْتِيبُ الْجَمَرَاتِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ شَرْطٌ، فَيُشْتَرَطُ رَمْيُ الْأُولَى، ثُمَّ الْوُسْطَى، ثُمَّ جَمْرَةُ الْعَقَبَةِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ مُسْتَحَبٌّ، قَالَ فَإِنْ نَكَسَهُ2 اُسْتُحِبَّ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في شرح"مسائل التعليم"للشيخ سعيد باعشن على"المقدمة الحضرمية"ج2 ص107. أن الرافعي يرى جواز الرمي قبل الزوال (ط) .
2 نكسة أي عكسة.