ج / 1 ص -144- جَرَّةِ نَصْرَانِيٍّ. وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي أَوَانِيهِمْ الطَّهَارَةُ. وَإِنْ كَانُوا مِمَّنْ يَتَدَيَّنُونَ بِاسْتِعْمَالِ النَّجَاسَةِ فَفِيهِ وَجْهَانِ:أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَصِحُّ الْوُضُوءُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي أَوَانِيهِمْ الطَّهَارَةُ. وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُمْ يَتَدَيَّنُونَ بِاسْتِعْمَالِ النَّجَاسَةِ كَمَا يَتَدَيَّنُ الْمُسْلِمُونَ بِالْمَاءِ الطَّاهِرِ، فَالظَّاهِرُ مِنْ أَوَانِيهِمْ وَثِيَابِهِمْ النَّجَاسَةُ"."
الشرح:حَدِيثُ أَبِي ثَعْلَبَةَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَلَفْظُهُ فِيهِمَا"قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ ؟ فَقَالَ إنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا"، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارَيَّ:"فَلَا تَأْكُلُوا فِي آنِيَتِهِمْ إلَّا أَنْ لَا تَجِدُوا بُدًّا فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا بُدًّا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا"، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد:"إنَّا نُجَاوِرُ أَهْلَ الْكِتَابِ وَهُمْ يَطْبُخُونَ فِي قُدُورِهِمْ الْخِنْزِيرَ وَيَشْرَبُونَ فِي آنِيَتِهِمْ الْخَمْرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَكُلُوا فِيهَا وَاشْرَبُوا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا غَيْرَهَا فَارْحَضُوهَا بِالْمَاءِ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا"، هَذَا لَفْظُ الْحَدِيثِ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ، وَوَقَعَ فِي"المهذب"لَا تَأْكُلْ خِطَابًا لِلْوَاحِدِ وَلَهُ وَجْهٌ، وَلَكِنَّ الْمَعْرُوفَ لَا تَأْكُلُوا، قَالَ أَهْل اللُّغَةِ: يُقَالُ لَا بُدَّ مِنْ كَذَا أَيْ لَا فِرَاقَ مِنْهُ وَلَا انْفِكَاكَ عَنْهُ، أَيْ هُوَ لَازِمٌ، وَأَبُو ثَعْلَبَةَ الرَّاوِي وَهُوَ الْخُشَنِيُّ بِخَاءٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ شِينٍ مَفْتُوحَةٍ مُعْجَمَتَيْنِ ثُمَّ نُونٍ مَنْسُوبُ إلَى خُشَيْنٍ بَطْنٌ مِنْ قُضَاعَةَ، وَاسْمُهُ جُرْهُمٌ بِضَمِّ الْجِيمِ وَالْهَاءِ، قَالَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَآخَرُونَ. وَقِيلَ جُرْثُومٌ بِضَمِّ الْجِيمِ وَالْمُثَلَّثَةِ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَاسْم أَبِيهِ نَاشِمٌ بِالنُّونِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَكَانَ أَبُو ثَعْلَبَةَ مِمَّنْ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَحْت الشَّجَرَةِ ثُمَّ نَزَلَ الشَّامَ وَتُوُفِّيَ أَيَّامَ مُعَاوِيَةَ، وَقِيلَ أَيَّامَ عَبْدِ الْمَلِكِ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ:"تَوَضَّأَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ مَزَادَةِ مُشْرِكَةٍ"فَهُوَ بَعْضٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ رِوَايَةِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنهما أَنَّهُمْ"كَانُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ فَعَطِشُوا فَأَرْسَلَ مَنْ يَطْلُبُ الْمَاءَ، فَجَاءُوا بِامْرَأَةٍ مُشْرِكَةٍ عَلَى بَعِيرٍ بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ مِنْ مَاءٍ، فَدَعَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِإِنَاءٍ فَأَفْرَغَ فِيهِ مِنْهُمَا ثُمَّ قَالَ فِيهِ: مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِي الْمَزَادَتَيْنِ وَنُودِيَ فِي النَّاسِ: اسْقُوا وَاسْتَقُوا، فَشَرِبُوا حَتَّى رَوَوْا وَلَمْ يَدَعُوا إنَاءً وَلَا سِقَاءً إلَّا مَلَئُوهُ، وَأَعْطَى رَجُلًا أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ إنَاءً مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ وَقَالَ: أَفْرِغْهُ عَلَيْك، ثُمَّ أَمْسَكَ عَنْ الْمَزَادَتَيْنِ وَكَأَنَّهُمَا أَشَدُّ امْتِلَاءً مِمَّا كَانَتَا، ثُمَّ أَسْلَمَتْ الْمَرْأَةُ بَعْدَ ذَلِكَ هِيَ وَقَوْمُهَا". هَذَا مَعْنَى الْحَدِيثِ مُخْتَصَرًا وَفِيهِ الْمُعْجِزَةُ الظَّاهِرَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَوَضَّأَ مِنْهُ صَرِيحًا، لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم تَوَضَّأَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ كَانَ كَثِيرًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَوَضَّأَ فَقَدْ أَعْطَى الْجُنُبَ مَا يَغْتَسِلُ بِهِ، وَبِهَذَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ وَهُوَ طَهَارَةُ إنَاءِ الْمُشْرِكِ، وَالْمَزَادَةُ هِيَ الَّتِي تُسَمِّيهَا النَّاسُ الرَّاوِيَةَ، وَإِنَّمَا الرَّاوِيَةُ فِي الْأَصْلِ الْبَعِيرُ الَّذِي يُسْتَقَى عَلَيْهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: تَوَضَّأَ عُمَرُ مِنْ جَرِّ نَصْرَانِيٍّ، فَصَحِيحٌ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ بِمَعْنَاهُ تَعْلِيقًا فَقَالَ: وَتَوَضَّأَ عُمَرُ بِالْحَمِيمِ مِنْ بَيْتِ نَصْرَانِيَّةٍ، وَالْحَمِيمُ الْمَاءُ الْحَارُّ، لَكِنْ وَقَعَ فِي"المهذب"نَصْرَانِيٌّ بِالتَّذْكِيرِ، قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْحَازِمِيُّ رَوَاهُ خَلَّادُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ بِإِسْنَادِهِ كَذَلِكَ، قَالَ: وَالْمَحْفُوظُ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِإِسْنَادِهِ نَصْرَانِيَّةٌ بِالتَّأْنِيثِ.
قَوْلُهُ: مِنْ"جَرٍّ"كَذَا هُوَ فِي"المهذب"، وَغَيْرُهُ"جَرٌّ"، وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي"الأم"جَرَّةُ نَصْرَانِيَّةٍ بِالْهَاءِ