ج / 1 ص -136- وَأَمَّا قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم:"الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ"وَلَمْ يَذْكُرْ الْأَكْلَ فَجَوَابُهُ مِنْ أَوْجُهٍ: أَحَدهَا: أَنَّهُ مَذْكُورٌ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ كَمَا سَبَقَ.الثَّانِي: أَنَّ الْأَكْلَ مَذْكُورٌ فِي رِوَايَةِ حُذَيْفَةَ وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مُعَارَضَةٌ لَهُ.وَالثَّالِثُ: أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الشُّرْبِ تَنْبِيهٌ عَلَى الِاسْتِعْمَالِ فِي كُلِّ شَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا} وَجَمِيعُ أَنْوَاعِ الِاسْتِيلَاءِ فِي مَعْنَى الْأَكْلِ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنَّمَا نَبَّهَ بِهِ لِكَوْنِهِ الْغَالِبَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الرَّابِعَةُ:قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ: يَسْتَوِي فِي تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ إنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ وَشُمُولِ الْمَعْنَى الَّذِي حُرِّمَ بِسَبَبِهِ، وَإِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي التَّحَلِّي لِمَا يُقْصَدُ فِيهِنَّ مِنْ غَرَضِ الزِّينَةِ لِلْأَزْوَاجِ وَالتَّجَمُّلِ لَهُمْ.
الْخَامِسَةُ: قَالَ أَصْحَابُنَا: يَسْتَوِي فِي التَّحْرِيمِ جَمِيعُ أَنْوَاعِ الِاسْتِعْمَالِ مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَالْبَوْلِ فِي الْإِنَاءِ، وَالْأَكْلِ بِمِلْعَقَةِ الْفِضَّةِ وَالتَّجَمُّرِ بِمِجْمَرَةٍ فِضَّةٍ إذَا اُحْتُوِيَ عَلَيْهَا، قَالُوا: وَلَا بَأْسَ إذَا لَمْ يَحْتَوِ عَلَيْهَا وَجَاءَتْهُ الرَّائِحَةُ مِنْ بَعِيدٍ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَعْدَهَا بِحَيْثُ لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ أَنَّهُ مُتَطَيِّبٌ بِهَا، وَتَحْرُمُ الْمُكْحُلَةُ، وَظَرْفُ الْغَالِيَةِ وَإِنْ صَغُرَ عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ، وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ وَالِدِهِ أَبِي مُحَمَّدٍ تَرَدُّدًا فِي جَوَازِ ذَلِكَ إذَا كَانَ مِنْ فِضَّةٍ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَالْوَجْهُ الْقَطْعُ بِتَحْرِيمِهِ، وَأَطْلَقَ الْغَزَالِيُّ خِلَافًا فِي اسْتِعْمَالِ الْإِنَاءِ الصَّغِيرِ كَالْمُكْحُلَةِ وَلَمْ يَخُصَّهُ بِالْفِضَّةِ، وَكَلَامُهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا ذَكَرَ شَيْخُهُ وَهُوَ التَّخْصِيصُ بِالْفِضَّةِ، وَيَحْرُمُ تَزْيِينُ الْحَوَانِيتِ وَالْبُيُوتِ وَالْمَجَالِسِ بِأَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ، وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ شَيْخَهُ حَكَى فِيهِ وَجْهَيْنِ، قَالَ الْإِمَامُ: وَالْوَجْهُ الْقَطْعُ بِالتَّحْرِيمِ لِلسَّرَفِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى تَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِ مَاءِ الْوَرْدِ مِنْ قَارُورَةِ الْفِضَّةِ.
قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ: وَالْحِيلَةُ فِي اسْتِعْمَالِهِ مِنْهَا أَنْ يَصُبَّهُ فِي يَدِهِ الْيُسْرَى ثُمَّ يَصُبَّهُ مِنْ الْيَسَرَيْ فِي الْيُمْنَى وَيَسْتَعْمِلَهُ فَلَا يَحْرُمُ، وَكَذَا قَالَ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ: لَوْ تَوَضَّأَ مِنْ إنَاءِ فِضَّةٍ فَصَبَّ الْمَاءَ عَلَى يَدِهِ ثُمَّ صَبَّهُ مِنْهَا عَلَى مَحَلِّ الطَّهَارَة جَازَ. قَالَ: وَكَذَا لَوْ صَبَّ الْمَاءَ فِي يَدِهِ ثُمَّ شَرِبَهُ مِنْهَا جَازَ فَلَوْ صَبَّ الْمَاءَ عَلَى الْعُضْوِ الَّذِي يُرِيدُ غَسْلَهُ فَهُوَ حَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ، وَذَكَرَ صَاحِبُ"الحاوي"نَحْوَ هَذَا فَقَالَ: مَنْ أَرَادَ التَّوَقِّيَ عَنْ الْمَعْصِيَةِ فِي الْأَكْلِ مِنْ إنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَلْيُخْرِجْ الطَّعَامَ إلَى مَحَلٍّ آخَرَ ثُمَّ يَأْكُلْ مِنْ ذَلِكَ الْمَحَلِّ فَلَا يَعْصِي، قَالَ: وَفَعَلَ مِثْلَ هَذَا الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَحَكَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ مِثْلَهُ عَنْ شَيْخِهِ الْقَفَّالِ الْمَرْوَزِيِّ، وَدَلِيلُهُ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ هَذَا تَرْكٌ لِلْمَعْصِيَةِ فَلَا يَكُونُ حَرَامًا، كَمَنْ تَوَسَّطَ أَرْضًا مَغْصُوبَةً فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِالْخُرُوجِ بِنِيَّةِ التَّوْبَةِ، وَيَكُونُ فِي خُرُوجِهِ مُطِيعًا لَا عَاصِيًا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
السَّادِسَةُ: لَوْ تَوَضَّأَ أَوْ اغْتَسَلَ مِنْ إنَاءِ الذَّهَبِ صَحَّ وُضُوءُهُ وَغُسْلُهُ بِلَا خِلَافٍ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ - رحمه الله - فِي الْأُمِّ، وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ، وَدَلِيلُهُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَقَوْلُهُ: كَالصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، هَكَذَا عَادَةُ أَصْحَابِنَا يَقِيسُونَ مَا كَانَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ عَلَى الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ،