ج / 7 ص -237- بَابُ مَا يَجِبُ فِي مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ مِنْ كَفَّارَةٍ وَغَيْرِهَا
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"إذَا حَلَقَ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ فَكَفَّارَتُهُ أَنْ يَذْبَحَ شَاةً أَوْ يُطْعِمَ سِتَّةَ مَسَاكِينَ ثَلَاثَةَ آصُعٍ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ أَوْ يَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ لقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 197] وَلِحَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ. وَإِنْ حَلَقَ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ كَانَتْ كَفَّارَتُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ، لِأَنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْجَمْعِ الْمُطْلَقِ، فَصَارَ كَمَنْ حَلَقَ جَمِيعَ رَأْسِهِ، وَإِنْ حَلَقَ شَعْرَ رَأْسِهِ وَشَعْرَ بَدَنهِ لَزِمَهُ مَا ذَكَرْنَاهُ وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْأَنْمَاطِيُّ: يَلْزَمُهُ فِدْيَتَانِ لِأَنَّ شَعْرَ الرَّأْسِ مُخَالِفٌ لِشَعْرِ الْبَدَنِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ النُّسُكُ بِحَلْقِ الرَّأْسِ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِشَعْرِ الْبَدَنِ؟ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، لِأَنَّهُمَا وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي النُّسُكِ إلَّا أَنَّ الْجَمِيعَ جِنْسٌ وَاحِدٌ فَأَجْزَأَهُ لَهُمَا فِدْيَةً وَاحِدَةً، كَمَا لَوْ غَطَّى رَأْسَهُ وَلَبِسَ الْقَمِيصَ وَالسَّرَاوِيلَ، وَإِنْ حَلَقَ شَعْرَةً أَوْ شَعْرَتَيْنِ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أحدها: يَجِبُ لِكُلِّ شَعْرَةٍ ثُلُثُ دَمٍ لِأَنَّهُ إذَا وَجَبَ فِي ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ دَمٌ وَجَبَ فِي كُلِّ شَعْرَةٍ ثُلُثُهُ، والثاني يَجِبُ لِكُلِّ شَعْرَةٍ دِرْهَمٌ، لِأَنَّ إخْرَاجَ ثُلُثِ دَمٍ يَشُقُّ، فَعُدِلَ إلَى قِيمَتِهِ، وَكَانَتْ قِيمَةُ الشَّاةِ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ فَوَجَبَ ثُلُثُهُ، والثالث: مُدٌّ لِأَنَّ اللَّهَ تعالى عَدَلَ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ مِنْ الْحَيَوَانِ إلَى الطَّعَامِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ هُنَا مِثْلُهُ، وَأَقَلُّ مَا يَجِبُ مِنْ الطَّعَامِ مُدٌّ فَوَجَبَ ذَلِكَ. وَإِنْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ أَوْ ثَلَاثَةَ أَظَافِرَ وَجَبَ عَلَيْهِ مَا يَجِبُ فِي الْحَلْقِ، وَإِنْ قَلَّمَ ظُفْرًا أَوْ ظُفْرَيْنِ وَجَبَ فِيهِمَا مَا يَجِبُ فِي الشَّعْرَةِ وَالشَّعْرَتَيْنِ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُمَا".
الشرح: قَالَ أَصْحَابُنَا: دَمُ الْحَلْقِ وَالْقَلْمِ دَمُ تَخْيِيرٍ وَتَقْدِيرٍ وَمَعْنَى التَّخْيِيرِ أَنَّهُ يَجُوزُ الْعُدُولُ إلَى غَيْرِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ. وَمَعْنَى التَّقْدِيرِ أَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ الْبَدَلَ الْمَعْدُولَ إلَيْهِ مُقَدَّرًا بِقَدْرٍ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ وَلَا يَنْقُصُ مِنْهُ، فَإِذَا حَلَقَ رَأْسَهُ أَوْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ لَزِمَهُ الْفِدْيَةُ، وَهِيَ ذَبْحُ شَاةٍ أَوْ إطْعَامُ ثَلَاثَةِ آصُعٍ لِسِتَّةِ مَسَاكِينَ كُلُّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ، أَوْ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ لِلْآيَةِ وَحَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ. وَإِذَا تَصَدَّقَ بِالْآصُعِ وَجَبَ أَنْ يُعْطِيَ كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ. هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ: وَحَكَى الرَّافِعِيُّ وَجْهًا عَنْ حِكَايَةِ صَاحِبِ"الْعُدَّةِ"أَنَّهُ لَا يُقَدَّرُ نُصِيبُ كُلِّ مِسْكِينٍ، بَلْ تَجُوزُ الْمُفَاضَلَةُ وَهَذَا شَاذٌّ ضَعِيفٌ وَالْمَذْهَبُ مَا سَبَقَ. وَلَوْ حَلَقَ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ فَهُوَ كَحَلْقِ كُلِّ رَأْسِهِ. فَيَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا، وَهَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ قَلَّمَ ثَلَاثَةَ أَظْفَارٍ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ أَظْفَارِ الْيَدِ أَوْ الرِّجْلِ أَوْ مِنْهُمَا. هَذَا إذَا أَزَالَهَا دُفْعَةً وَاحِدَةً فِي مَكَان، فَإِنْ فَرَّقَ زَمَانًا أَوْ مَكَانًا فَسَيَأْتِي حُكْمُهُ قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا إذَا حَلَقَ أَوْ قَلَّمَ أَوْ تَطَيَّبَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى.
أما: إذَا حَلَقَ شَعْرَةً وَاحِدَةً أَوْ شَعْرَتَيْنِ فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الثَّلَاثَةَ الْأُوَلَ مِنْهَا بِدَلَائِلِهَا: أصحها: وَهُوَ نَصُّهُ فِي أَكْثَرِ كُتُبِهِ. يَجِبُ فِي شَعْرَةٍ مُدٌّ وَفِي شَعْرَتَيْنِ مُدَّانِ، والثاني يَجِبُ فِي شَعْرَةٍ