ج / 1 ص -122- الْمَنْصُوصِ، وَرُوِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ رحمه الله أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ تَنْجِيسِ شَعْرِ الْآدَمِيِّ. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثِ طُرُقٍ: فَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُثْبِتْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَقَالَ: يَنْجُسُ الشَّعْرُ بِالْمَوْتِ قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مُتَّصِلٌ بِالْحَيَوَانِ اتِّصَالَ خِلْقَةٍ فَيَنْجُسُ بِالْمَوْتِ كَالْأَعْضَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ الرُّجُوعَ عَنْ تَنْجِيسِ شَعْرِ الْآدَمِيِّ رُجُوعًا عَنْ تَنْجِيسِ جَمِيعِ الشُّعُورِ، فَجَعَلَ فِي الشُّعُورِ قَوْلَيْنِ:أَحَدُهُمَا: يَنْجُسُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ. وَالثَّانِي: لَا يَنْجُسُ لِأَنَّهُ لَا يُحِسُّ وَلَا يَتَأَلَّمُ فَلَا تَلْحَقُهُ نَجَاسَةُ الْمَوْتِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ رُجُوعًا عَنْ تَنْجِيسِ شَعْرِ الْآدَمِيِّ خَاصَّةً فَجَعَلَ فِي الشَّعْرِ1قَوْلَيْنِ:أَحَدُهُمَا: يَنْجُسُ الْجَمِيعُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.وَالثَّانِي: يَنْجُسُ الْجَمِيعُ إلَّا شَعْرَ الْآدَمِيِّ فَإِنَّهُ لَا يَنْجُسُ؛ لِأَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالْكَرَامَةِ، وَلِهَذَا يَحِلُّ لَبَنُهُ مَعَ تَحْرِيمِ أَكْلِهِ. وَأَمَّا شَعْرُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَإِنَّا إذَا قُلْنَا شَعْرُ غَيْرِهِ طَاهِرٌ فَشَعْرُهُ صلى الله عليه وسلم أَوْلَى بِالطَّهَارَةِ، وَاذَا قُلْنَا: إنَّ شَعْرَ غَيْرِهِ نَجِسٌ فَفِي شَعْرِهِ عليه السلام وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ نَجِسٌ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ نَجِسًا مِنْ غَيْرِهِ كَانَ نَجِسًا مِنْهُ كَالدَّمِ، وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ طَاهِرٌ؛"لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَاوَلَ أَبَا طَلْحَةَ رضي الله عنه شَعْرَهُ فَقَسَمَهُ بَيْنَ النَّاسِ". وَكُلُّ مَوْضِعِ قُلْنَا: إنَّهُ نَجِسٌ عُفِيَ عَنْ الشَّعْرَةِ وَالشَّعْرَتَيْنِ فِي الْمَاءِ وَالثَّوْبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ، فَعُفِيَ عَنْهُ كَمَا عُفِيَ عَنْ دَمِ الْبَرَاغِيثِ"."
الشرح:أَمَّا قَوْلُهُ:"لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَاوَلَ أَبَا طَلْحَةَ شَعْرَهُ فَقَسَمَهُ بَيْنَ النَّاسِ"فَحَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
أَمَّا أَحْكَامُ الْمسألة:فَحَاصِلُهَا أَنَّ الْمَذْهَبَ نَجَاسَةُ شَعْرِ الْمَيْتَةِ غَيْرِ الْآدَمِيِّ، وَطَهَارَةُ شَعْرِ الْآدَمِيِّ، هَذَا مُخْتَصَرِ الْمَسْأَلَةِ، وَأَمَّا بَسْطُهَا فَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ ثَلَاثَ طُرُقٍ وَهِيَ مَشْهُورَةٌ فِي الْمَذْهَبِ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَآخَرُونَ: الشَّعْرُ وَالصُّوفُ وَالْوَبَرُ وَالْعَظْمُ وَالْقَرْنُ وَالظِّلْفُ تُحِلُّهَا الْحَيَاةُ، وَتَنْجُسُ بِالْمَوْتِ. هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ الْبُوَيْطِيُّ وَالْمُزَنِيُّ وَالرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ وَحَرْمَلَةُ، وَرَوَى إبْرَاهِيمُ الْبُلَيْدِيُّ عَنْ الْمُزَنِيِّ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ تَنْجِيسِ شَعْرِ الْآدَمِيِّ. وَقَالَ صَاحِبِ الْحَاوِي: الشَّعْرُ وَالْوَبَرُ وَالصُّوفُ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ. هَذَا هُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي كُتُبِهِ وَاَلَّذِي نَقَلَهُ عَنْهُ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ: الْبُوَيْطِيُّ وَالْمُزَنِيُّ وَالرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ وَحَرْمَلَةُ وَأَصْحَابُ الْقَدِيمِ.
قَالَ: وَحَكَى ابْنُ سُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ الْأَنْمَاطِيِّ عَنْ الْمُزَنِيِّ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ تَنْجِيسِ الشَّعْرِ، وَحَكَى إبْرَاهِيمُ الْبُلَيْدِيُّ عَنْ الْمُزَنِيِّ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ تَنْجِيسِ شَعْرِ الْآدَمِيِّ، وَحَكَى الرَّبِيعُ الْجِيزِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الشَّعْرَ تَابِعٌ لِلْجِلْدِ: يَطْهُرُ بِطَهَارَتِهِ وَيَنْجُسُ بِنَجَاسَتِهِ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي هَذِهِ الْحِكَايَاتِ الثَّلَاثِ الَّتِي شَذَّتْ عَنْ الْجُمْهُورِ فَجَعَلَهَا بَعْضُهُمْ قَوْلًا ثَانِيًا لِلشَّافِعَيَّ أَنَّ الشَّعْرَ طَاهِرٌ، وَامْتَنَعَ الْجُمْهُورُ مِنْ إثْبَاتِ قَوْلٍ ثَانٍ لِمُخَالِفَتِهَا نُصُوصَهُ، وَيُحْتَمَل أَنَّهُ حَكَى مَذْهَبَ غَيْرِهِ.
وَأَمَّا شَعْرُ الْآدَمِيِّ فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَشْهَرُهُمَا عَنْهُ أَنَّهُ نَجِسٌ. والثاني: وَهُوَ مَنْصُوصٌ فِي الْجَدِيدِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 نسخة الركبي (الشعور ) (ط)