ج / 1 ص -116- السِّبْرِ1 غَيْرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّ مَنْ قَالَ يُؤَثِّرُ الدِّبَاغُ فِي الْمَأْكُولِ خَاصَّةً تَعَلَّقُوا بِخُصُوصِ السَّبَبِ فِي شَاةِ مَيْمُونَةَ. وَلَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ مُسْتَقِلٌّ بِالْإِفَادَةِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ لَمْ يَطَّرِدْ مَذْهَبُهُ فِي الْخِنْزِيرِ عَمَلًا بِالْعُمُومِ وَلَا يُظْهِرُ فَرْقٌ بَيْنَ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ.
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَإِنَّهُ نَظَرَ إلَى مَا أَمَرَ بِهِ الشَّرْعُ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْأَشْيَاءِ الْجَائِزَةِ كَالْقَرَظِ، وَغَاصَ عَلَى فَهْمِ الْمَعْنَى وَهُوَ أَنَّ سَبَبَ نَجَاسَةِ الْجُلُودِ بِالْمَوْتِ لِأَنَّهَا بِانْقِطَاعِ الْحَيَاةِ عَنْهَا تَتَعَرَّضُ لِلْبِلَى وَالْعَفَنِ وَالنَّتْنِ، فَإِذَا دُبِغَتْ لَمْ تَتَعَرَّضْ لِلتَّغَيُّرِ، وَقَدْ بَطَلَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى خُصُوصِ السَّبَبِ وَامْتَنَعَ التَّعْمِيمُ لِمَا ذَكَرْنَا فِي جِلْدِ الْخِنْزِيرِ، وَأَرْشَدَ2 الدِّبَاغُ إلَى مَعْنًى يُضَاهِي بِهِ الْمَدْبُوغُ الْحَيَوَانَ فِي حَالِ الْحَيَاةِ فَإِنَّ الْحَيَاةَ دَافِعَةٌ لِلْعَفِنِ، وَالْمَوْتُ جَالِبٌ لَهُ، وَالدِّبَاغُ يَرُدُّهُ إلَى مُضَاهَاةِ الْحَيَاةِ فِي السَّلَامَةِ مِنْ التَّغَيُّرِ، فَانْتَظَمَ بِذَلِكَ اعْتِبَارُ الْمَدْبُوغِ بِالْحَيِّ فَقَالَ: كُلُّ مَا كَانَ فِي الْحَيَاةِ طَاهِرًا عَادَ جِلْدُهُ بِالدَّبْغِ طَاهِرًا، وَمَا كَانَ نَجَسًا لَا يَطْهُرُ، ثُمَّ ثَبَتَ عِنْدَهُ نَجَاسَةُ الْكَلْبِ مِنْ نَجَاسَةِ لُعَابِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَيَجُوزُ الدِّبَاغُ بِكُلِّ مَا يُنَشِّفُ فُضُولَ الْجِلْدِ وَيُطَيِّبُهُ وَيَمْنَعُ مِنْ وُرُودِ الْفَسَادِ عَلَيْهِ كَالشَّثِّ وَالْقَرَظِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَعْمَلُ عَمَلَهُ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ"أَلَيْسَ فِي الْمَاءِ وَالْقَرَظِ مَا يُطَهِّرُهُ ؟"فَنَصَّ عَلَى الْقَرَظِ لِأَنَّهُ يُصْلِحُ الْجِلْدَ وَيُطَيِّبُهُ فَوَجَبَ أَنْ يَجُوزَ بِكُلِّ مَا عَمِلَ عَمَلَهُ".
الشرح: هَذَا الْحَدِيثُ حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ الْإِمَامَانِ الْحَافِظَانِ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ عُمَرَ الدَّارَقُطْنِيّ وَأَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنُ عَلِيٍّ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِمَا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ:"مَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِشَاةٍ مَيْتَةٍ فَقَالَ: هَلَّا انْتَفَعْتُمْ بِإِهَابِهَا ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهَا مَيْتَةٌ قَالَ: إنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا، أَوَ لَيْسَ فِي الْمَاءِ وَالْقَرَظِ مَا يُطَهِّرُهَا ؟"وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ فِي سُنَنِهِمَا بِمَعْنَاهُ عَنْ مَيْمُونَةَ رضي الله عنها قَالَتْ:"مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رِجَالٌ يَجُرُّونَ شَاةً لَهُمْ مِثْلَ الْحِمَارِ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم لَوْ أَخَذْتُمْ إهَابَهَا ؟ قَالُوا: إنَّهَا مَيْتَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُطَهِّرُهَا الْمَاءَ وَالْقَرَظَ". هَكَذَا جَاءَتْ رِوَايَاتُ الْحَدِيثِ بِطُهْرِهَا بِالتَّأْنِيثِ وَوَقَعَ فِي"المهذب"يُطَهِّرُهُ"وَهُوَ تَحْرِيفٌ، وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ صَحِيحًا، وَالْقَرَظُ بِالظَّاءِ لَا بِالضَّادِ. وَهَذَا وَإِنْ كَانَ وَاضِحًا فَلَا يَضُرُّ"التنبيه"عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُوجَدُ فِي كَثِيرٍ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ مُصَحَّفًا."
وَالْقَرَظُ3: وَرَقُ شَجَرِ السَّلَمِ بِفَتْحِ السِّينِ وَاللَّامِ وَمِنْهُ أَدِيمٌ مَقْرُوظٌ أَيْ: مَدْبُوغٌ بِالْقَرَظِ، قَالُوا: وَالْقَرَظُ يَنْبُتُ بِنَوَاحِي تِهَامَةَ، وَأَمَّا الشَّثُّ فَضَبْطُهَا فِي"المهذب"بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ، وَوَقَعَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ فَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: هُوَ الشَّبُّ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ مِنْ الْجَوَاهِرِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي الْأَرْضِ يُدْبَغُ بِهِ يُشْبِهُ الزَّاجَ قَالَ: وَالسَّمَاعُ فِيهِ الشَّبُّ يَعْنِي بِالْمُوَحَّدَةِ وَقَدْ صَحَّفَهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ الشَّثُّ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 السبر كلمة اصطلاحية عند علماء أصول الفقه وأصلها في اللغة فتيلة توضع في الجرح لمعرفة عمقه ، وكأنها استعملت في معناها مجازا عندهم . (ط)
2 لعل مضافا محذوفا تقديره: ( حديث ) .فنقول: وأرشد حديد الدباغ (ط)
3 العامة في الديار المصرية تسمية شجر السنط والقرظ ثمرة وليس ورقه (ط)