فهرس الكتاب

الصفحة 243 من 4102

ج / 1 ص -114- رِوَايَتَيْ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِمَا. فَحَصَلَ فِيهِ نَوْعُ اضْطِرَابٍ فَلَمْ يَبْقَ فِيهِ تَارِيخٌ يُعْتَمَدُ الثَّالِثُ: لَوْ سَلِمَ تَأَخُّرَهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ لِأَنَّهُ عَامٌّ، وَأَخْبَارُنَا خَاصَّةٌ، وَالْخَاصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ سَوَاءٌ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ عَنْ الْجَمَاهِيرِ مِنْ أَهْلِ أُصُولِ الْفِقْهِ.

وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى اللَّحْمِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ أحدهما: أَنَّهُ قِيَاسٌ فِي مُقَابَلَةِ نُصُوصٍ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ والثاني: أَنَّ الدِّبَاغَ فِي اللَّحْمِ لَا يَتَأَتَّى وَلَيْسَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لَهُ، بَلْ يَمْحَقُهُ بِخِلَافِ الْجِلْدِ فَإِنَّهُ يُنَظِّفُهُ وَيُطَيِّبُهُ وَيُصَلِّبُهُ، وَبِهَذَيْنِ الْجَوَابَيْنِ يُجَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: الْعِلَّةُ فِي التَّنْجِيسِ الْمَوْتُ وَهُوَ قَائِمٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَأَمَّا الْأَوْزَاعِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ فَاحْتَجَّ لَهُمْ بِمَا رَوَى أَبُو الْمَلِيحِ عَامِرُ بْنُ أُسَامَةَ 1عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم"نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ وَغَيْرُهُمْ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ"نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ أَنْ تُفْتَرَشَ"، قَالُوا: فَلَوْ كَانَتْ تَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ لَمْ يَنْهَ عَنْ افْتِرَاشِهَا مُطْلَقًا، وَبِحَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبِّقِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ:"دِبَاغُ الْأَدِيمِ ذَكَاتُهُ"قَالُوا: وَذَكَاةُ مَا لَا يُؤْكَلُ لَا تُطَهِّرُهُ قَالُوا: وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ لَا يُؤْكَلُ فَلَمْ يَطْهُرْ جِلْدُهُ بِالدَّبْغِ كَالْكَلْبِ.

وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:"أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ"وَبِحَدِيثِ:"إذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ"وَهُمَا صَحِيحَانِ كَمَا سَبَقَ، وَهُمَا عَامَّانِ لِكُلِّ جِلْدٍ. وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ:"أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُسْتَمْتَعَ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ إذَا دُبِغَتْ"وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ كَمَا سَبَقَ. وَبِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ الْمُسْتَدْرَكِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْعَامَّةِ فَهِيَ عَلَى عُمُومِهَا إلَّا مَا أَجْمَعْنَا عَلَى تَخْصِيصِهِ وَهُوَ الْكَلْبُ وَالْخِنْزِيرُ فَإِنْ قَالُوا: جِلْدُ مَا لَا يُؤْكَلُ لَا يُسَمَّى إهَابًا كَمَا حَكَاهُ عَنْهُمْ الْخَطَّابِيُّ، فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا خِلَافُ لُغَةٍ الْعَرَبِ. قَالَ الْإِمَامُ أَبُو مَنْصُورٍ الْأَزْهَرِيُّ: جَعَلَتْ الْعَرَبُ جِلْدَ الْإِنْسَانِ إهَابًا وَأَنْشَدَ فِيهِ قَوْلَ عَنْتَرَةَ:

فَشَكَكْتُ بِالرُّمْحِ الْأَصَمِّ إهَابَهُ.

أَرَادَ رَجُلًا لَقِيَهُ فِي الْحَرْبِ فَانْتَظَمَ جِلْدَهُ بِسِنَانِ رُمْحِهِ، وَأَنْشَدَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ فِيهِ أَبْيَاتًا كَثِيرَةً مِنْهَا قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:

لَا يَدَّخِرَانِ مِنْ الْإِيغَامِ بَاقِيَة حَتَّى تَكَادَ تُفْرَى عَنْهُمَا الْأُهُبُ

وَعَنْ عَائِشَةَ فِي وَصْفِهَا أَبِيهَا رضي الله عنهما قَالَتْ:"وَحَقَنَ الدِّمَاءَ فِي أُهُبِهَا"تُرِيدُ دِمَاءَ النَّاسِ، وَهَذَا مَشْهُورٌ لَا حَاجَةَ إلَى الْإِطَالَةِ فِيهِ وَلِأَنَّهُ جِلْدُ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ فَأَشْبَهَ الْمَأْكُولَ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 هو أسامة بن عمر الهذلي بصري له صحبة وروايةلم يرد عن أسامة هذا غير ابنه أبي المليح عامر (ط)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت