ج / 1 ص -113- وَبِحَدِيثِ جَوْنِ بِفَتْحِ الْجِيمِ ابْنِ قَتَادَةَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبِّقِ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْمُشَدَّدَةِ وَكَسْرِهَا رضي الله عنه"أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ دَعَا بِمَاءٍ مِنْ عِنْدِ امْرَأَةٍ قَالَتْ: مَا عِنْدِي إلَّا فِي قِرْبَةٍ لِي مَيْتَةٍ قَالَ: أَلَيْسَ قَدْ دَبَغْتِهَا ؟ قَالَتْ: بَلَى قَالَ: فَإِنَّ دِبَاغَهَا ذَكَاتُهَا"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، إلَّا أَنَّ جَوْنًا اخْتَلَفُوا فِيهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: هُوَ مَجْهُولٌ وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: هُوَ مَعْرُوفٌ. وَفِي الْمسألة:أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ وَفِيمَا ذَكَرْنَا كِفَايَةٌ، وَلِأَنَّهُ جِلْدٌ طَاهِرٌ طَرَأَتْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ فَجَازَ أَنْ يَطْهُرَ كَجِلْدِ الْمُذَكَّاةِ إذَا تَنَجَّسَ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ احْتِجَاجِهِمْ بِالْآيَةِ فَهُوَ أَنَّهَا عَامَّةٌ خَصَّتْهَا السُّنَّةُ. وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ وَغَيْرُهُمْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، قَالَ: وَسَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ الْحَسَنِ يَقُولُ: كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَذْهَبُ إلَى حَدِيثِ ابْنِ عُكَيْمٍ هَذَا لِقَوْلِهِ:"قَبْلَ وَفَاتِهِ بِشَهْرَيْنِ"وَكَانَ يَقُولُ: هَذَا آخِرُ الْأَمْرِ، قَالَ: ثُمَّ تَرَكَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ هَذَا الْحَدِيثَ لَمَّا اضْطَرَبُوا فِي إسْنَادِهِ حَيْثُ رَوَى بَعْضُهُمْ عَنْ ابْنِ عُكَيْمٍ1 عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ جُهَيْنَةَ. هَذَا كَلَامُ التِّرْمِذِيِّ. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ"قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ"وَرُوِيَ"بِشَهْرَيْنِ"وَرُوِيَ بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِهِ مَعْرِفَةُ السُّنَنِ وَالْآثَارِ وَآخَرُونَ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْحُفَّاظِ: هَذَا الْحَدِيثُ مُرْسَلٌ وَابْنُ عُكَيْمٍ لَيْسَ بِصَحَابِيٍّ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: مَذْهَبُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ جَوَازُ الدِّبَاغِ وَوَهَّنُوا هَذَا الْحَدِيثَ لِأَنَّ ابْنَ عُكَيْمٍ لَمْ يَلْقَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم إنَّمَا هُوَ حِكَايَةٌ عَنْ كِتَابٍ أَتَاهُمْ، وَعَلَّلُوهُ أَيْضًا بِأَنَّهُ مُضْطَرِبٌ، وَعَنْ مَشْيَخَةٍ مَجْهُولِينَ لَمْ تَثْبُتْ صُحْبَتُهُمْ.
إذَا عُرِفَ هَذَا فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ أحدها: مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْحُفَّاظِ أَنَّهُ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ والثاني: أَنَّهُ مُضْطَرِبٌ كَمَا سَبَقَ وَكَمَا نَقَلَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ وَلَا يَقْدَحُ فِي هَذَيْنِ الْجَوَابَيْنِ قَوْلُ التِّرْمِذِيِّ: إنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ، لِأَنَّهُ قَالَهُ عَنْ اجْتِهَادِهِ، وَقَدْ بَيَّنَ هُوَ وَغَيْرُهُ وَجْهَ ضَعْفِهِ كَمَا سَبَقَ الثالث: أَنَّهُ كِتَابٌ، وَأَخْبَارُنَا سَمَاعٌ وَأَصَحُّ إسْنَادًا وَأَكْثَرُ رُوَاةً وَسَالِمَةٌ مِنْ الِاضْطِرَابِ فَهِيَ أَقْوَى وَأَوْلَى الرابع: أَنَّهُ عَامٌّ فِي النَّهْيِ، وَأَخْبَارُنَا مُخَصِّصَةٌ لِلنَّهْيِ بِمَا قَبْلَ الدِّبَاغِ مُصَرِّحَةٌ بِجَوَازِ الِانْتِفَاعِ بَعْدَ الدِّبَاغِ، وَالْخَاصُّ مُقَدَّمٌ. والخامس: أَنَّ الْإِهَابَ الْجِلْدُ قَبْلَ دِبَاغِهِ وَلَا يُسَمَّى إهَابًا بَعْدَهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ وَالنَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ وَأَبِي دَاوُد السِّجِسْتَانِيِّ وَالْجَوْهَرِيِّ وَغَيْرِهِمْ، فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بَلْ النَّهْيُ لِمَا قَبْلَ الدِّبَاغِ تَصْرِيحًا.
فَإِنْ قَالُوا: خَبَرُنَا مُتَأَخِّرٌ فَقُدِّمَ، فَالْجَوَابُ مِنْ أَوْجُهٍ أحدها: لَا نُسَلِّمُ تَأَخُّرَهُ عَلَى أَخْبَارِنَا لِأَنَّهَا مُطْلَقَةٌ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهَا قَبْلَ وَفَاتِهِ صلى الله عليه وسلم بِدُونِ شَهْرَيْنِ وَشَهْرٍ الثاني: أَنَّهُ رُوِيَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ وَرُوِيَ شَهْرَيْنِ وَرُوِيَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا كَمَا سَبَقَ، وَكَثِيرٌ مِنْ الرِّوَايَاتِ لَيْسَ فِيهَا تَارِيخٌ، وَكَذَا هُوَ فِي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 قال ابن عبد البر في"الاستيعاب": عبد الله بن عكيم الجهني يكنى أبا معبد ، اختلف في سماعه من النبي صلى الله عليه وسلم حديثه عنه صلى الله عليه وسلم"من علق شيئا وكل إليه"وهو القائل: حاءنا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض حهينة قبل وفاته بشهر وساق الحديث (ط)