فهرس الكتاب

الصفحة 2354 من 4102

ج / 6 ص -333- فَرْعٌ فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي أَقَلِّ الِاعْتِكَافِ

قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ الْمَشْهُورَ مِنْ مَذْهَبِنَا أَنَّهُ يَصِحُّ كَثِيرُهُ وَقَلِيلُهُ وَلَوْ لَحْظَةٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ دَاوُد وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ: أَقَلُّهُ يَوْمٌ بِكَمَالِهِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمَا فِي اشْتِرَاطِ الصَّوْمِ. دَلِيلُنَا أَنَّ الِاعْتِكَافَ فِي اللُّغَةِ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَلَمْ يَحُدَّهُ الشَّرْعُ بِشَيْءٍ يَخُصُّهُ فَبَقِيَ عَلَى أَصْلِهِ. وَأَمَّا الصَّوْمُ فَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِيهِ. وَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي اشْتِرَاطِ الصَّوْمِ شَيْءٌ صَرِيحٌ. .

قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ الْعَشْرِ دَخَلَ فِيهِ لَيْلَةُ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ؛ لِيَسْتَوْفِيَ الْفَرْضَ بِيَقِينٍ، كَمَا يَغْسِلُ جُزْءًا مِنْ رَأْسِهِ لِيَسْتَوْفِيَ غَسْلَ الْوَجْهِ بِيَقِينٍ، وَيَخْرُجُ مِنْهُ بِهِلَالِ شَوَّالٍ تَامًّا كَانَ الشَّهْرُ أَوْ نَاقِصًا، لِأَنَّ الْعَشَرَةَ عِبَارَةٌ عَمَّا بَيْنَ الْعِشْرِينَ إلَى آخِرِ الشَّهْرِ، وَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ مِنْ آخِرِهِ وَكَانَ الشَّهْرُ نَاقِصًا اعْتَكَفَ بَعْدَ الشَّهْرِ يَوْمًا آخَرَ لِتَمَامِ الْعَشَرَةِ، لِأَنَّ الْعَشَرَةَ عِبَارَةٌ عَنْ عَشَرَةِ آحَادٍ بِخِلَافِ الْعَشَرَةِ".

الشرح: هَاتَانِ الْمَسْأَلَتَانِ ذَكَرَهُمَا أَصْحَابُنَا كَمَا قَدْ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْكُثَ فِي مُعْتَكَفِهِ بَعْدَ هِلَالِ شَوَّالٍ حَتَّى يُصَلِّيَ الْعِيدَ أَوْ يَخْرُجَ مِنْهُ إلَى الْمُصَلَّى إنْ صَلَّوْهَا فِي غَيْرِهِ، وَقَدْ سَبَقَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي آخِرِ كِتَابِ الصِّيَامِ. وَقَوْلُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ: (إذَا خَرَجَ الشَّهْرُ نَاقِصًا اعْتَكَفَ يَوْمًا آخَرَ) يَعْنِي يَوْمًا بِلَيْلَتِهِ. كَذَا صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ، وَيُسْتَحَبُّ فِي الثَّانِي أَنْ يَعْتَكِفَ يَوْمًا قَبْلَ الْعَشْرِ لِاحْتِمَالِ نَقْصِ الشَّهْرِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الْيَوْمُ دَاخِلًا فِي نَذْرِهِ لِكَوْنِهِ أَوَّلَ الْعَشْرِ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ، فَلَوْ فَعَلَ هَذَا ثُمَّ بَانَ نَقْصُهُ فَهَلْ يُجْزِئُهُ عَنْ قَضَاءِ يَوْمٍ؟ قَطَعَ الْبَغَوِيّ بِأَنَّهُ يُجْزِئُهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ خِلَافٌ كَالْوَجْهَيْنِ فِيمَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ فَتَوَضَّأَ غَلَطًا فَبَانَ مُحْدِثًا، هَلْ يَصِحُّ وُضُوءُهُ؟ وَالْأَصَحُّ لَا يَصِحُّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فَرْعٌ فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِيمَنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ غَيْرِهِ، مَتَى يَدْخُلُ فِي اعْتِكَافِهِ؟

قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ فِي لَيْلَةِ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ وَيَخْرُجَ عَنْ نَذْرِهِ بِانْقِضَاءِ الشَّهْرِ تَمَّ أَوْ نَقَصَ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ: يُجْزِئُهُ، الدُّخُولُ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ، وَلَا يَلْزَمُهُ لَيْلَةَ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ. دَلِيلُنَا أَنَّ الْعَشْرَ اسْمٌ لِلَّيَالِيِ مَعَ الْأَيَّامِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ شَهْرًا نَظَرْت فَإِنْ كَانَ شَهْرًا بِعَيْنِهِ لَزِمَهُ اعْتِكَافُهُ لَيْلًا وَنَهَارًا سَوَاءٌ كَانَ الشَّهْرُ تَامًّا أَمْ نَاقِصًا، لِأَنَّ الشَّهْرَ عِبَارَةٌ عَمَّا بَيْنَ النَّهَارَيْنِ تَمَّ أَوْ نَقَصَ. وَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ نَهَارِ الشَّهْرِ لَزِمَهُ النَّهَارُ دُونَ اللَّيْلِ، لِأَنَّهُ خَصَّ النَّهَارَ فَلَا يَلْزَمُهُ اللَّيْلُ، فَإِنْ فَاتَهُ الشَّهْرُ، وَلَمْ يَعْتَكِفْ فِيهِ لَزِمَهُ قَضَاؤُهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقْضِيَهُ مُتَتَابِعًا وَمُتَفَرِّقًا، لِأَنَّ التَّتَابُعَ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت