ج / 1 ص -107- لَا حُكْمَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ ؟ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ مَشْهُورَةٍ الصَّحِيحُ مِنْهَا عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ لَا حُكْمَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ وَلَا يُحْكَمُ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي شَيْءٍ يَفْعَلُهُ بِتَحْرِيمٍ وَلَا حَرَجٍ، وَلَا نُسَمِّيهِ مُبَاحًا لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالتَّحْرِيمِ وَالْإِبَاحَةِ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ، فَكَيْفَ يَدَّعِي ذَلِكَ قَبْلَ الشَّرْعِ. وَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ سَائِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْأَحْكَامَ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِالشَّرْعِ، وَأَنَّ الْعَقْلَ لَا يُثْبِتُ شَيْئًا، فَإِنْ قُلْنَا بِالتَّحْرِيمِ فَهُوَ كَمَا قَالَ الْمُتَوَلِّي لِأَنَّ الْأَصْلَ التَّحْرِيمُ وَإِنْ قُلْنَا بِالصَّحِيحِ فَهُوَ حَلَالٌ حَتَّى يَتَحَقَّقَ سَبَبُ التَّحْرِيمِ.
وَيُشْبِهُ هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَأَصْحَابُنَا فِي بَابِ الْأَطْعِمَةِ فِيمَا إذَا وَجَدْنَا حَيَوَانًا لَا يُعْرَفُ أَهُوَ مَأْكُولٌ أَمْ لَا ؟ وَلَا تَسْتَطِيبُهُ الْعَرَبُ وَلَا تَسْتَخْبِثُهُ وَلَا نَظِيرَ لَهُ فِي الْمُسْتَطَابِ وَالْمُسْتَخْبَثِ فَهَلْ يُحَلُّ أَكْلُهُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ لِأَصْحَابِنَا بَنَاهُمَا الْأَصْحَابُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا.
وَأَمَّا مسألة:قِطْعَةِ اللَّحْمِ فَقَدْ أَطْلَقَ الْمُتَوَلِّي الْحُكْمَ بِتَحْرِيمِهَا وَقَالَ شَيْخُهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ فِيهَا تَفْصِيلًا حَسَنًا فَقَالَ: لَوْ وَجَدَ قِطْعَةَ لَحْمٍ مُلْقَاةٍ وَجَهِلَ حَالَهَا، فَإِنْ كَانَتْ مُلْقَاةً عَلَى الْأَرْضِ غَيْرِ مَلْفُوفَةٍ بِخِرْقَةٍ وَنَحْوِهَا فَالظَّاهِرُ. أَنَّهَا مَيْتَةٌ وَقَعَتْ مِنْ طَائِرٍ وَنَحْوِهِ فَتَكُونُ حَرَامًا، وَإِنْ كَانَتْ فِي مِكْتَلٍ أَوْ خِرْقَةٍ وَنَحْوِهِمَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مُذَكَّاةٌ فَتَكُونُ حَلَالًا إلَّا إذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ مَجُوسٌ وَاخْتَلَطُوا بِالْمُسْلِمِينَ فَلَا تُبَاحُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
فرع: قَدْ ذَكَرْنَا فِي أَوَّلِ هَذَا الْفصل:الْمُتَعَلِّقِ بِالشَّكِّ فِي الْأَشْيَاءِ أَنَّ حُكْمَ الْيَقِينِ لَا يُزَالُ بِالشَّكِّ إلَّا فِي مَسَائِلَ يَسِيرَةٍ خَرَجَتْ لِأَدِلَّةٍ خَاصَّةٍ عَلَى تَخْصِيصِهَا، وَبَعْضُهَا إذَا حُقِّقَ كَانَ دَاخِلًا فِيهَا، وَقَدْ انْدَرَجَ مِنْ تِلْكَ الْمَسَائِلِ جُمْلَةٌ فِيمَا سَبَقَ فِي هَذَا الْفصل: كَمسألة:الصِّبْيَةِ وَنَحْوِهَا فَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ الْقَاصِّ فِي كِتَابِهِ التَّلْخِيصُ أَنَّ كُلَّ مَنْ شَكَّ فِي شَيْءٍ هَلْ فَعَلَهُ أَمْ لَا ؟ فَهُوَ غَيْرُ فَاعِلٍ فِي الْحُكْمِ وَلَا يُزَالُ حُكْمُ الْيَقِينِ بِالشَّكِّ إلَّا فِي إحْدَى عَشْرَةً مَسْأَلَةً.
إحداها: إذَا شَكَّ مَاسِحُ الْخُفِّ هَلْ انْقَضَتْ الْمُدَّةُ أَمْ لَا؟
وَالثَّانِيَةُ: شَكَّ هَلْ مَسَحَ فِي الْحَضَرِ أَمْ فِي السَّفَرِ ؟ يُحْكَمُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ بِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ.
الثالثة: إذَا أَحْرَمَ الْمُسَافِرُ بِنِيَّةِ الْقَصْرِ خَلْفَ مَنْ لَا يَدْرِي أَمُسَافِرٌ هُوَ أَمْ مُقِيمٌ ؟ لَمْ يَجُزْ الْقَصْرُ.
الرابعة: بَالَ حَيَوَانٌ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ فَوَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا وَلَمْ يَدْرِ أَتَغَيَّرَ بِالْبَوْلِ أَمْ بِغَيْرِهِ ؟ فَهُوَ نَجَسٌ.
الخامسة: الْمُسْتَحَاضَةُ الْمُتَحَيِّرَةُ يَلْزَمُهَا الْغُسْلُ عِنْد كُلِّ صَلَاةٍ تَشُكُّ فِي انْقِطَاعِ الدَّمِ قَبْلَهَا.
السَّادِسَةُ: مَنْ أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ فِي بَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ وَجَهِلَ مَوْضِعَهَا يَلْزَمُهُ غَسْلُهُ كُلُّهُ.
السَّابِعَةُ: شَكَّ مُسَافِرٌ أَوَصَلَ بَلَدَهُ أَمْ لَا ؟ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّرَخُّصُ.
الثَّامِنَةُ: شَكَّ مُسَافِرٌ هَلْ نَوَى الْإِقَامَةَ أَمْ لَا؟ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّرَخُّصُ.
التَّاسِعَةُ: الْمُسْتَحَاضَةُ وَسَلِسُ الْبَوْلِ إذَا تَوَضَّأَ ثُمَّ شَكَّ هَلْ انْقَطَعَ حَدَثُهُ أَمْ لَا فصل:ى بِطَهَارَتِهِ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ.