ج / 6 ص -324- قال المصنف رحمه الله تعالى:"زلا يصح إلا من مسلم عاقل طاهر1، فأما الكافر فلا يصح منه لأنه من فروع الإيمان، ولا يصح من الكافر كالصوم، وأما من زال عقله كالمجنون والمبرسم فلا يصح منه، لأنه ليس من أهل العبادات فلا يصح منه الإعتكاف كالكلفر".
الشرح: شُرُوطُ الْمُعْتَكِفِ ثَلَاثَةٌ (الْإِسْلَامُ) (وَالْعَقْلُ) (وَالنَّقَاءُ عَنْ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ) وَهُوَ الْجَنَابَةُ وَالْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ، فَلَا يَصِحُّ اعْتِكَافُ كَافِرٍ أَصْلِيٍّ وَلَا مُرْتَدٍّ وَلَا اعْتِكَافُ زَائِلِ الْعَقْلِ بِجُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ سُكْرٍ وَلَا مُبَرْسَمٍ وَلَا صَبِيٍّ غَيْرِ مُمَيِّزٍ، لِأَنَّهُ لَا نِيَّةَ لَهُمْ، وَشَرْطُ الِاعْتِكَافِ النِّيَّةُ وَلَا يَصِحُّ اعْتِكَافُ حَائِضٍ وَلَا نُفَسَاءَ وَلَا جُنُبٍ ابْتِدَاءً، لِأَنَّ مُكْثَهُمْ فِي الْمَسْجِدِ مَعْصِيَةٌ. وَلَوْ طَرَأَ الْحَيْضُ أَوْ النِّفَاسُ أَوْ الرِّدَّةُ أَوْ الْجَنَابَةُ فِي أَثْنَاءِ الِاعْتِكَافِ فَسَيَأْتِي إيضَاحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَثْنَاءِ الْبَابِ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَيَصِحُّ اعْتِكَافُ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ وَالْمَرْأَةِ الْمُزَوَّجَةِ وَغَيْرِهَا، وَالْعَبْدِ الْقِنِّ وَالْمُدَبَّرِ وَالْمُكَاتَبِ وَالْمُسْتَوْلَدَةِ، كَمَا يَصِحُّ صِيَامُهُمْ، لَكِنْ يَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ الِاعْتِكَافُ بِغَيْرِ إذْنِ الزَّوْجِ أَوْ السَّيِّدِ، فَلَوْ خَالَفَا صَحَّ مَعَ التَّحْرِيمِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَلَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَعْتَكِفَ بِغَيْرِ إذْنِ الزَّوْجِ، لِأَنَّ اسْتِمْتَاعَهَا مِلْكٌ لِلزَّوْجِ، فَلَا يَجُوزُ إبْطَالُهُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَلَا يَجُوزُ لِلْعَبْدِ أَنْ يَعْتَكِفَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ، لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ لِلْمَوْلَى فَلَا يَجُوزُ إبْطَالُهَا عَلَيْهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَإِنْ نَذَرَتْ الْمَرْأَةُ الِاعْتِكَافَ بِإِذْنِ الزَّوْجِ أَوْ نَذَرَ الْعَبْدُ الِاعْتِكَافَ بِإِذْنِ مَوْلَاهُ نَظَرْت - فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَعَلِّقٍ بِزَمَانٍ بِعَيْنِهِ - لَمْ يَجُزْ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ لَيْسَ عَلَى الْفَوْرِ وَحَقُّ الزَّوْجِ وَالْمَوْلَى عَلَى الْفَوْرِ، فَقُدِّمَ عَلَى الِاعْتِكَافِ، وَإِنْ كَانَ النَّذْرُ مُتَعَلِّقًا بِزَمَانٍ جَازَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ فِعْلُهُ بِإِذْنِهِ، وَإِنْ اعْتَكَفَتْ الْمَرْأَةُ بِإِذْنِ زَوْجِهَا أَوْ الْعَبْدُ بِإِذْنِ مَوْلَاهُ، نَظَرْت فَإِنْ كَانَ فِي تَطَوُّعٍ جَازَ لَهُ أَنْ لَا يُخْرِجَهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ بِالدُّخُولِ فَجَازَ إخْرَاجُهُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ فِي فَرْضٍ مُتَعَلِّقٍ بِزَمَانٍ بِعَيْنِهِ لَمْ يَجُزْ إخْرَاجُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ فِعْلُهُ فِي وَقْتِهِ فَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُهُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ فِي فَرْضٍ غَيْرِ مُتَعَلِّقٍ بِزَمَانٍ بِعَيْنِهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أحدهما: لَا يَجُوزُ إخْرَاجُهُ مِنْهُ، لِأَنَّهُ وَجَبَ إذْنُهُ وَدَخَلَ فِيهِ بِإِذْنِهِ فَلَمْ يَجُزْ إخْرَاجُهُ مِنْهُ. والثاني: إنْ كَانَ مُتَتَابِعًا لَمْ يَجُزْ إخْرَاجُهُ مِنْهُ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ فَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُهُ مِنْهُ كَالْمَنْذُورِ فِي زَمَنٍ بِعَيْنِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَتَابِعٍ جَازَ إخْرَاجُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ فَجَازَ إخْرَاجُهُ مِنْهُ كَالتَّطَوُّعِ. وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْمَوْلَى فِي مَنْفَعَتِهِ فَجَازَ أَنْ يَعْتَكِفَ بِغَيْرِ إذْنِهِ كَالْحُرِّ. وَمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ وَنِصْفُهُ عَبْدٌ يُنْظَرُ فِيهِ - فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَوْلَى مُهَايَأَةٌ - فَهُوَ كَالْعَبْدِ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُهَايَأَةٌ فَهُوَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي هُوَ لِلْمَوْلَى كَالْعَبْدِ، لِأَنَّ حَقَّ السَّيِّدِ مُتَعَلِّقٌ بِمَنْفَعَتِهِ، وَفِي الْيَوْمِ الَّذِي لَهُ كَالْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمَوْلَى [لَا] يَتَعَلَّقُ بِمَنْفَعَتِهِ".
الشرح: فِي الْفَصْلِ مَسَائِلُ: إحداها: قَدْ سَبَقَ أَنْ يَصِحَّ اعْتِكَافُ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ، لَكِنْ لَا يَجُوزُ اعْتِكَافُهُمَا بِغَيْرِ إذْنِ الزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ، لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، فَإِنْ اعْتَكَفَا بِغَيْرِ إذْنِهِمَا كَانَ لَهُمَا إخْرَاجُهُمَا مِنْهُ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في نسخة ابن بطال لا توجد عبارة ( طاهر) (ط) .