فهرس الكتاب

الصفحة 2344 من 4102

ج / 6 ص -323- كِتَابُ الِاعْتِكَافِ

َأصْلُ الِاعْتِكَافِ فِي اللُّغَةِ اللُّبْثُ أَوْ الْحَبْسُ وَالْمُلَازَمَةُ، قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي سُنَنِ حَرْمَلَةَ: الِاعْتِكَافُ لُزُومُ الْمَرْءِ شَيْئًا، وَحَبْسُ نَفْسِهِ عَلَيْهِ بِرًّا كَانَ أَوْ إثْمًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} [الانبياء: من الآية52] وَقَالَ تَعَالَى: {فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ} [لأعراف: من الآية138] وَقَالَ تَعَالَى فِي الْبِرِّ: {وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: من الآية187] وَسَمَّى الِاعْتِكَافَ الشَّرْعِيَّ اعْتِكَافًا لِمُلَازِمَةِ الْمَسْجِدِ، يُقَالُ: عَكَفَ يَعْكُفُ وَيَعْكُفُ - بِضَمِّ الْكَافِ وَكَسْرِهَا - لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ عَكْفًا وَعُكُوفًا، أَيْ أَقَامَ عَلَى الشَّيْءِ وَلَازَمَهُ، وَعَكَفْتُهُ أَعْكِفُهُ - بِكَسْرِ الْكَافِ - عَكْفًا لَا غَيْرُ، قَالُوا: فَلَفْظُ عَكَفَ يَكُونُ لَازِمًا وَمُتَعَدِّيًا كَمَا ذَكَرْنَا، كَرَجَعَ وَرَجَعْتُهُ، وَنَقَصَ وَنَقَصْتُهُ وَيُسَمَّى الِاعْتِكَافُ جِوَارًا، وَمِنْهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ الَّذِي سَبَقَ قَرِيبًا فِي أَحَادِيثِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ عَنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَهُوَ قَوْلُهَا: وَهُوَ مُجَاوِرٌ فِي الْمَسْجِدِ، وَالِاعْتِكَافُ فِي الشَّرْعِ هُوَ اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ شَخْصٍ مَخْصُوصٍ بِنِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"الِاعْتِكَافُ سُنَّةٌ [حَسَنَةٌ] ، لِمَا رَوَى أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ وَعَائِشَةُ رضي الله عنها"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ"وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ"فَلَمْ يَزَلْ يَعْتَكِفُ حَتَّى مَاتَ"وَيَجِبُ بِالنَّذْرِ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ"."

الشرح: حَدِيثُ عَائِشَةَ الْأَوَّلُ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِزِيَادَتِهِ الْمَذْكُورَةِ، وَحَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، أَوْ مُسْلِمٍ فَقَطْ، وَثَبَتَ مِثْلُهُ فِي"الصحيحين"مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ وَآخَرِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ.

وأما: حَدِيثُ عَائِشَةَ"مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ"إلَى آخِرِهِ فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

أَمَّا الْحُكْمُ: فَالِاعْتِكَافُ سُنَّةٌ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا يَجِبُ إلَّا بِالنَّذْرِ بِالْإِجْمَاعِ، وَيُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْهُ، وَيُسْتَحَبُّ وَيَتَأَكَّدُ اسْتِحْبَابُهُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ لِلْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ هُنَا، وَفِي الْبَابِ قَبْلَهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ لِرَجَائِهَا. قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: وَمَنْ أَرَادَ الِاقْتِدَاءَ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الِاعْتِكَافِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ لَيْلَةَ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ مِنْهُ، لِكَيْ لَا يَفُوتَهُ شَيْءٌ مِنْهُ، يَخْرُجُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ لَيْلَةَ الْعِيدِ، سَوَاءٌ تَمَّ الشَّهْرُ أَوْ نَقَصَ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَمْكُثَ لَيْلَةَ الْعِيدِ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى يُصَلِّيَ فِيهِ صَلَاةَ الْعِيدِ، أَوْ يَخْرُجَ مِنْهُ إلَى الْمُصَلَّى لِصَلَاةِ الْعِيدِ إنْ صَلُّوهَا فِي الْمُصَلَّى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت