ج / 6 ص -318- الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ. قَالُوا: قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ} أَيْ الْقُرْآنَ، فَعَادَ الضَّمِيرُ إلَى مَعْلُومٍ مَعْهُودٍ قَالُوا: أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْقُرْآنَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ مِنْ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا جُمْلَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ أَنْزَلَهُ مِنْ السَّمَاءِ الدُّنْيَا عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نُجُومًا آيَةً وَآيَتَيْنِ وَالْآيَاتِ وَالسُّورَةَ عَلَى مَا عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْمَصَالِحِ وَالْحِكْمَةِ فِي ذَلِكَ. قَالُوا: وقوله تعالى: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} مَعْنَاهُ الْعِبَادَةُ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْ الْعِبَادَةِ فِي أَلْفِ شَهْرٍ، لَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَعْنَاهُ الْعِبَادَةُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْعِبَادَةِ فِي أَلْفِ شَهْرٍ بِصِيَامِ نَهَارِهَا وَقِيَامِ لَيْلِهَا لَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، وقوله تعالى: {تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ} أَيْ جِبْرِيلُ عليه السلام {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} أَيْ بِأَمْرِهِ {مِنْ كُلِّ أَمْرٍسلام} أَيْ يُسَلِّمُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُسَلِّمُونَ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ إلَّا مُدْمِنِ خَمْرٍ أَوْ مُصِرٍّ عَلَى مَعْصِيَةٍ أَوْ كَاهِنٍ أَوْ مُشَاحِنٍ، فَمَنْ أَصَابَهُ السَّلَامُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ. وقوله تعالى: {حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ: مَعْنَاهُ أَنَّهَا سَلَامٌ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ.
فَرْعٌ فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي مَسَائِلَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ
وَقَدْ جَمَعَهَا الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو الْفَضْلِ عِيَاضٌ السَّبْتِيُّ الْمَالِكِيُّ فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ، فَاسْتَوْعَبَهَا وَأَتْقَنَهَا، وَمُخْتَصَرُ مَا حَكَاهُ أَنَّهُ قَالَ:"أَجْمَعَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى أَنَّ لَيْلَةُ الْقَدْرِ بَاقِيَةٌ دَائِمَةٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لِلْأَحَادِيثِ الصَّرِيحَةِ الصَّحِيحَةِ فِي الْأَمْرِ بِطَلَبِهَا، قَالَ: وَشَذَّ قَوْمٌ فَقَالُوا: رُفِعَتْ"وَكَذَا حَكَى أَصْحَابُنَا هَذَا الْقَوْلَ عَنْ قَوْمٍ، وَلَمْ يُسَمِّهِمْ الْجُمْهُورُ وَسَمَّاهُمْ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ فَقَالَ: هُوَ قَوْلُ الرَّوَافِضِ وَتَعَلَّقُوا بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:"حِينَ تَلَاحَى رَجُلَانِ فَرُفِعَتْ"وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، كَمَا سَنُوَضِّحُهُ فِي فَرْعِ الْأَحَادِيثِ إنْ شَاءَ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي اخْتَرَعَهُ هَؤُلَاءِ الشَّاذُّونَ غَلَطٌ ظَاهِرٌ وَغَبَاوَةٌ بَيِّنَةٌ، لِأَنَّ آخِرَ الْحَدِيثِ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"فَرُفِعَتْ وَعَسَى أَنْ تَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ"هَكَذَا هُوَ فِي أَوَّلِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِرَفْعِهَا عِلْمُهُ بِعَيْنِهَا ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ رَفْعَ وُجُودِهَا، لَمْ يَأْمُرْ بِالْتِمَاسِهَا.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَعَلَى مَذْهَبِ الْجَمَاعَةِ اخْتَلَفُوا فِي مُحَلِّهَا فَقِيلَ: هِيَ مُتَنَقِّلَةٌ، تَكُونُ فِي سَنَةٍ فِي لَيْلَةٍ وَفِي سَنَةٍ فِي لَيْلَةٍ أُخْرَى وَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ وَيُقَالُ: كُلُّ حَدِيثٍ جَاءَ بِأَحَدِ أَوْقَاتِهَا فَلَا تَعَارُضَ فِيهَا. قَالَ: وَنَحْوُ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَغَيْرِهِمْ، قَالُوا: وَإِنَّمَا تَنْتَقِلُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، قَالَ: وَقِيلَ فِي كُلِّهِ، وَقِيلَ: إنَّهَا مُعَيَّنَةٌ لَا تَنْتَقِلُ أَبَدًا، بَلْ هِيَ لَيْلَةٌ مُعَيَّنَةٌ فِي جَمِيعِ السِّنِينَ لَا تُفَارِقُهَا، وَعَلَى هَذَا قِيلَ: هِيَ فِي السَّنَةِ كُلِّهَا. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ [وَقِيلَ: بَلْ كُلُّ رَمَضَانَ خَاصَّةً، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَجَمَاعَةٍ] وَقِيلَ: بَلْ فِي الْعَشْرِ الْأَوْسَطِ وَالْأَوَاخِرِ، وَقِيلَ: فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، وَقِيلَ: تَخْتَصُّ بِأَوْتَارِ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، وَقِيلَ: بِأَشْفَاعِهَا، كَمَا ثَبَتَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الَّذِي سَنُوَضِّحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقِيلَ: بَلْ فِي ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ أَوْ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقِيلَ: تُطْلَبُ فِي أَوَّلِ لَيْلَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ أَوْ إحْدَى وَعِشْرِينَ أَوْ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنهما.