ج / 6 ص -184- وَلَوْ رَأَى الْهِلَالَ فِي بَلَدٍ وَأَصْبَحَ مُعَيِّدًا مَعَهُمْ. فَسَارَتْ بِهِ سَفِينَةٌ إلَى بَلَدٍ فِي حَدِّ الْبُعْدِ. فَصَادَفَ أَهْلَهَا صَائِمِينَ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: يَلْزَمُهُ إمْسَاكُ بَقِيَّةِ يَوْمِهِ. إذَا قُلْنَا: لِكُلِّ بَلَدٍ حُكْمُ نَفْسِهِ، وَاسْتَبْعَدَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ الْحِكَايَةَ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَتُتَصَوَّرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي صُورَتَيْنِ.
إحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يَوْمَ الثَّلَاثِينَ مِنْ صَوْمِ الْبَلَدَيْنِ لَكِنَّ الْمُنْتَقِلَ إلَيْهِمْ لَمْ يَرَوْهُ وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ التَّاسِعَ وَالْعِشْرِينَ لِلْمُنْتَقِلِ إلَيْهِمْ لِتَأَخُّرِ صَوْمِهِمْ بِيَوْمٍ. قَالَ: وَإِمْسَاكُ بَقِيَّةِ النَّهَارِ فِي الصُّورَتَيْنِ إنْ لَمْ يُعَمَّمْ الْحُكْمُ كَمَا ذَكَرْنَا وَجَوَابُ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ لِكُلِّ بَلَدٍ حُكْمَهُ، وَأَنَّ لِلْمُنْتَقِلِ حُكْمَ الْبَلَدِ الْمُنْتَقَلِ إلَيْهِ، وَإِنْ عَمَّمْنَا الْحُكْمَ فَأَهْلُ الْبَلَدِ الثَّانِي إذَا عَرَفُوا فِي أَثْنَاءِ الْيَوْمِ أَنَّهُ عِيدٌ، فَهُوَ شَبِيهٌ بِمَا سَبَقَ فِي بَابِ صَلَاةِ الْعِيدِ إذَا شَهِدُوا بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ يَوْمَ الثَّلَاثِينَ.
وَلَوْ أَتَى هَذَا السَّفَرُ لِعَدْلَيْنِ - وَقَدْ رَأَيَا الْهِلَالَ بِأَنْفُسِهِمَا، وَشَهِدَا فِي الْبَلَدِ الثَّانِي - فَهَذِهِ شَهَادَةُ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ يَوْمَ الثَّلَاثِينَ، فَيَجِبُ الْفِطْرُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَإِنْ عَمَّمْنَا الْحُكْمَ بِجَمِيعِ الْبِلَادِ لَمْ يَبْعُدْ أَنْ يَكُونَ كَلَامُهُمَا عَلَى التَّفْصِيلِ السَّابِقِ فِي بَابِ صَلَاةِ الْعِيدِ، فَإِنْ قَبِلْنَا شَهَادَتَهُمْ قَضَوْا يَوْمًا، وَإِنْ لَمْ نُعَمِّمْ الْحُكْمَ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِمَا. وَلَوْ كَانَ عَكْسَهُ بِأَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَسَارَتْ بِهِ سَفِينَةٌ إلَى قَوْمٍ مُعَيِّدِينَ فَإِنْ عَمَّمْنَا الْحُكْمَ أَوْ قُلْنَا: لَهُ حُكْمُ الْمُنْتَقَلِ إلَيْهِ، أَفْطَرَ وَإِلَّا فَلَا، وَإِذَا أَفْطَرَ قَضَى يَوْمًا إذَا لَمْ يَصُمْ إلَّا ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَفِي الشَّهَادَةِ الَّتِي يَثْبُتُ بِهَا رُؤْيَةُ هِلَالِ شَهْرِ رَمَضَانَ قَوْلَانِ، قَالَ فِي الْبُوَيْطِيِّ: لَا تُقْبَلُ إلَّا مِنْ عَدْلَيْنِ، لِمَا رَوَى الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ الْجَدَلِيُّ (جَدِيلَةُ قَيْسٍ) قَالَ:"خَطَبَنَا أَمِيرُ مَكَّةَ الْحَارِثُ بْنُ حَاطِبٍ فَقَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ نُمْسِكَ لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ لَمْ نَرَهُ فَشَهِدَ شَاهِدَانِ عَدْلَانِ نَسَكْنَا بِشَهَادَتِهِمَا"وَقَالَ: فِي الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ: يُقْبَلُ مِنْ عَدْلٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ:"تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَنِّي رَأَيْتُهُ، فَصَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَمَرَ النَّاسَ بِالصِّيَامِ"وَلِأَنَّهُ إيجَابُ عِبَادَةٍ، فَقُبِلَ مِنْ وَاحِدٍ احْتِيَاطًا لِلْفَرْضِ فإن قلنا: يُقْبَلُ مِنْ وَاحِدٍ، فَهَلْ يُقْبَلُ مِنْ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ:"
أَحَدُهُمَا: يُقْبَلُ؛ لِأَنَّ مَا قُبِلَ فِيهِ قَوْلُ الْوَاحِدِ قُبِلَ مِنْ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ كَإِخْبَارِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم والثاني: لَا يُقْبَلُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ طَرِيقَهَا طَرِيقُ الشَّهَادَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْ شَاهِدِ الْفَرْعِ مَعَ حُضُورِ شَاهِدِ الْأَصْلِ فَلَمْ يُقْبَلْ مِنْ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ كَسَائِرِ الشَّهَادَاتِ، وَلَا يُقْبَلُ فِي هِلَالِ الْفِطْرِ إلَّا شَاهِدَانِ، لِأَنَّهُ إسْقَاطُ فَرْضٍ، فَاعْتُبِرَ فِيهِ الْعَدَدُ احْتِيَاطًا لِلْفَرْضِ، فَإِنْ شَهِدَ وَاحِدٌ عَلَى رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ فَقُبِلَ قَوْلُهُ وَصَامُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَتَغَيَّمَتْ السَّمَاءُ فَفِيهِ وَجْهَانِ أحدهما: أَنَّهُمْ لَا يُفْطِرُونَ لِأَنَّهُ إفْطَارٌ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ والثاني: أَنَّهُمْ يُفْطِرُونَ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي الْأُمِّ، لِأَنَّهُ بَيِّنَةٌ ثَبَتَ بِهَا الصَّوْمُ فَجَازَ الْإِفْطَارُ بِاسْتِكْمَالِ الْعَدَدِ مِنْهَا كَالشَّاهِدَيْنِ. وَقَوْلُهُ: إنَّ هَذَا إفْطَارٌ بِشَاهِدٍ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الَّذِي ثَبَتَ بِالشَّاهِدِ هُوَ الصَّوْمُ، وَالْفِطْرُ ثَبَتَ عَلَى سَبِيلِ التَّبَعِ وَذَلِكَ يَجُوزُ كَمَا نَقُولُ: إنَّ النَّسَبَ لَا يَثْبُتُ بِقَوْلِ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ ثُمَّ وَلَوْ شَهِدَ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ بِالْوِلَادَةِ ثَبَتَتْ الْوِلَادَةُ وَثَبَتَ النَّسَبُ عَلَى سَبِيلِ التَّبَعِ لِلْوِلَادَةِ. وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ عَلَى رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ فَصَامُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَالسَّمَاءُ مُصْحِيَةٌ فَلَمْ يَرَوْا الْهِلَالَ فَفِيهِ وَجْهَانِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْحَدَّادُ: لَا يُفْطِرُونَ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْهِلَالِ مَعَ الصَّحْوِ يَقِينٌ وَالْحُكْمَ