ج / 1 ص -88- قَالُوا: فَكَثْرَةُ النَّجَسِ تُرِيبُ فَوَجَبَ تَرْكُهُ وَالْعُدُولُ إلَى مَا لَا رَيْبَ فِيهِ وَهُوَ التَّيَمُّمُ قَالُوا: وَلِأَنَّ الْأُصُولَ مُقَرَّرَةٌ عَلَى أَنَّ كَثْرَةَ الْحَرَامِ وَاسْتِوَاءَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ يُوجِبُ تَغْلِيبَ حُكْمِهِ فِي الْمَنْعِ كَأُخْتٍ أَوْ زَوْجَةٍ اخْتَلَطَتْ بِأَجْنَبِيَّةٍ، وَلِأَنَّهُ اسْتَوَى الطَّاهِرُ وَالنَّجِسُ فَأَشْبَهَ الْمَاءَ وَالْبَوْلَ، وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:" {َلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} وَهَذَا وَاجِدٌ فَلَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ، وَقِيَاسًا عَلَى الثِّيَابِ وَالْأَطْعِمَةِ وَالْقِبْلَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ فِيهَا بِاتِّفَاقِنَا مَعَ زِيَادَةِ عَدَدِ الْخَطَأِ."
فَإِنْ قَالُوا: إنَّمَا جَازَ الِاجْتِهَادُ فِي الثِّيَابِ لِأَنَّهَا أَخَفُّ حُكْمًا بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ النَّجَاسَةِ الْيَسِيرَةِ فِيهَا، فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ أحدهما: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَاءَ يُخَالِفُ الثِّيَابَ فِي هَذَا بَلْ يُعْفَى عَنْ النَّجَاسَةِ فِيهِ إذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ، وَكَذَا فِي دُونِ الْقُلَّتَيْنِ إذَا كَانَتْ نَجَاسَةً لَا يُدْرِكُهَا الطَّرْفُ أَوْ مَيْتَةً لَا نَفْسَ لَهَا سَائِلَةً عَلَى الْأَصَحِّ فِيهِمَا الثاني: أَنَّ هَذَا الْفَرْقَ لَمَّا لَمْ يُوجِبْ فَرْقًا بَيْنَهُمَا إذَا زَادَ عَدَدُ الطَّاهِرِ لَمْ يُوجِبْهُ إذَا اسْتَوَيَا. فَإِنْ قَالُوا: إنَّمَا جَازَ الِاجْتِهَادُ فِي الثِّيَابِ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ تُبِيحُهَا إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا بِخِلَافِ الْمَاءِ، فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ.
أحدهما: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الثَّوْبَ النَّجِسَ تُبَاحُ الصَّلَاةُ فِيهِ لِعَدَمِ غَيْرِهِ بَلْ يُصَلِّي عَارِيًّا وَلَا إعَادَةَ.
الثاني: لَا يَجُوزُ اعْتِبَارُ الِاشْتِبَاهِ بِحَالِ الضَّرُورَةِ بَلْ بِحَالِ الِاخْتِيَارِ وَهُمَا فِيهِ سَوَاءٌ
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ الْحَدِيثِ فَهُوَ أَنَّ الرِّيبَةَ زَالَتْ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ بِطَهَارَتِهِ وَبَقِيَتْ الرِّيبَةُ فِي صِحَّةِ التَّيَمُّمِ مَعَ وُجُودِ هَذَا الْمَاءِ، وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْأَجْنَبِيَّةِ الْمُشْتَبِهَةِ بِأُخْتِهِ فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أحدهما: أَنَّهُ قِيَاسٌ فَاسِدٌ لِأَنَّ الْأُخْتَ مَعَ أَجْنَبِيَّةٍ أَوْ أَجْنَبِيَّاتٍ لَا يَجْرِي فِيهِنَّ التَّحَرِّي بِحَالٍ، بَلْ إنْ اخْتَلَطَتْ الْأُخْتُ بِمَحْصُورَاتٍ لَمْ يَجُزْ نِكَاحُ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ وَإِنْ اخْتَلَطَتْ بِغَيْرِ مَحْصُورَاتٍ نَكَحَ مَنْ أَرَادَ مِنْهُنَّ بِلَا تَحَرٍّ وَإِذَا لَمْ يَجُزْ فِيهِنَّ التَّحَرِّي بِحَالٍ وَقَدْ اتَّفَقْنَا عَلَى جَرَيَانِهِ فِي الْمَاءِ إذَا كَانَ الطَّاهِرُ أَكْثَرَ لَمْ يَصِحَّ إلْحَاقُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ الثاني: أَنَّ الِاشْتِبَاهَ فِي النِّسَاءِ نَادِرٌ بِخِلَافِ الْمَاءِ فَدَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى التَّحَرِّي فِيهِ دُونَهُنَّ. وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى اخْتِلَاطِ زَوْجَتِهِ بِأَجْنَبِيَّاتٍ فَجَوَابُهُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ أحدها: نُدْرَةُ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْمَاءِ الثاني: أَنَّ التَّحَرِّي يَرُدُّ الشَّيْءَ إلَى أَصْلِهِ فَالْمَاءُ يَرْجِعُ إلَى أَصْلِهِ وَهُوَ الطَّهَارَةُ فَأَثَّرَ فِيهِ الِاجْتِهَادُ، وَأَمَّا الْوَطْءُ فَالْأَصْلُ تَحْرِيمُهُ الثالث: أَنَّ فِي مسألة:الزَّوْجَةِ لَوْ زَادَ عَدَدُ الْمُبَاحِ لَمْ يَتَحَرَّ بِخِلَافِ الْمَاءِ الرابع: إذَا تَرَدَّدَ فَرْعٌ بَيْنَ أَصْلَيْنِ أُلْحِقَ بِأَشْبَهِهِمَا بِهِ وَشَبَهُ الْمِيَاهِ بِالثِّيَابِ وَالْقِبْلَةِ أَكْثَرُ فَأُلْحِقَ بِهَا دُونَ الزَّوْجَةِ.
وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْمَاءِ وَالْبَوْلِ فَجَوَابُهُ مِنْ أَوْجُهٍ أحدها: التَّحَرِّي يَرُدُّ الْمَاءَ إلَى أَصْلِهِ وَهُوَ الطَّهَارَةُ بِخِلَافِ الْبَوْلِ الثاني: الِاشْتِبَاهُ فِي الْمِيَاهِ يَكْثُرُ وَتَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى بِخِلَافِ الْمَاءِ وَالْبَوْلِ الثالث: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ امْتِنَاعَ التَّحَرِّي فِي الْمَاءِ وَالْبَوْلِ لِعَدَمِ زِيَادَةِ الطَّاهِرِ، بَلْ لِأَنَّ الْبَوْلَ لَيْسَ مِمَّا يُجْتَهَدُ فِيهِ بِحَالٍ، وَلِهَذَا لَوْ زَادَ عَدَدُهُ لَمْ يَجُزْ التَّحَرِّي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ:"تَوَضَّأَ بِهِ لِأَنَّهُ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ الصَّلَاةِ يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ إلَيْهِ بِالِاسْتِدْلَالِ فَجَازَ"