ج / 6 ص -42- حَالُ تَخَلُّفِ الزَّوْجِ، ثُمَّ أَسْلَمَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَفِي وُجُوبِ نَفَقَتِهَا فِي مُدَّةِ التَّخَلُّفِ خِلَافٌ مَذْكُورٌ فِي كِتَابِ النَّفَقَاتِ، فَإِنْ لَمْ نُوجِبْهَا فَلَا فِطْرَةَ، وَإِلَّا فَالْفِطْرَةُ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ فِي عَبْدِهِ الْمُسْلِمِ. الْأَصَحُّ: الْوُجُوبُ، ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ، هَذَا كُلُّهُ فِي الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ. وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ فَقَالَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ: فِطْرَتُهُ كَزَكَاةِ مَالِهِ وَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ سَبَقَتْ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الزَّكَاةِ، وَهِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى بَقَاءِ مِلْكِهِ وَزَوَالِهِ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا: يَزُولُ فَلَا تَجِبُ زَكَاةٌ وَلَا فِطْرَةٌ والثاني: يَبْقَى فَيَجِبَانِ والثالث: وَهُوَ الْأَصَحُّ: أَنَّهُ مَوْقُوفٌ. فَإِنْ"عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ تَبَيَّنَّا بَقَاءَهُ فَيَجِبَانِ، وَإِلَّا فَلَا. وَحُكْمُ فِطْرَةِ الرَّقِيقِ الْمُرْتَدِّ حُكْمُ فِطْرَةِ السَّيِّدِ الْمُرْتَدِّ، فَفِيهَا الْأَقْوَالُ، ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ، هَذَا كُلُّهُ فِي مُطَالَبَةِ الْكَافِرِ بِالْإِخْرَاجِ فِي الدُّنْيَا، وَأَمَّا أَصْلُ الْخِطَابِ فَهُوَ مُخَاطَبٌ بِالزَّكَاةِ وَالْفِطْرَةِ وَسَائِرِ الْفُرُوعِ عَلَى الصَّحِيحِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يُزَادُ فِي عُقُوبَتِهِ بِسَبَبِهَا فِي الْآخِرَةِ، وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ مُوَضَّحَةً فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَقَدْ نَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ: أَنَّ الْكَافِرَ لَا فِطْرَةَ عَلَيْهِ لِنَفْسِهِ (وَالشَّرْطُ الثَّانِي) : الْحُرِّيَّةُ، فَلَيْسَ عَلَى الرَّقِيقِ فِطْرَةُ نَفْسِهِ وَلَا فِطْرَةُ غَيْرِهِ، وَلَوْ مَلَكَهُ السَّيِّدُ عَبْدًا وَقُلْنَا: يَمْلِكُهُ، سَقَطَتْ فِطْرَتُهُ عَنْ سَيِّدِهِ لِزَوَالِ مِلْكِهِ، وَلَا تَجِبُ عَلَى الْمُتَمَلِّكِ لِضَعْفِ مِلْكِهِ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ كُلُّهُمْ إلَّا الْمَاوَرْدِيُّ وَالسَّرْخَسِيَّ: فَحَكَيَا قَوْلًا: أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ، وَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُهُ الْعَبْدُ، قَالَ السَّرَخْسِيُّ: هَذَا قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى انْتِزَاعِهِ، وَهَذَا شَاذٌّ وَبَاطِلٌ،"
وأما: الْمُكَاتَبُ، فَحَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْفَصْلِ وَاَلَّذِي بَعْدَهُ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، وَهِيَ مَشْهُورَةٌ وَبَعْضُ الْأَصْحَابِ يُسَمِّيهَا أَقْوَالًا، وَهِيَ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَوْجُهِ أصحها بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ لَا فِطْرَةَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى سَيِّدِهِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ ضَعِيفٌ، وَسَيِّدُهُ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، والثاني: عَلَى الْمُكَاتَبِ فِي كَسْبِهِ تَبَعًا لِلنَّفَقَةِ، والثالث: تَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ عَنْهُ، حَكَاهُ أَبُو ثَوْرٍ عَنْ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ، وَإِنَّمَا سَقَطَتْ النَّفَقَةُ عَنْ السَّيِّدِ لِاسْتِقْلَالِ الْمُكَاتَبِ بِاكْتِسَابِهِ، وَلِأَنَّهَا تَكْثُرُ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَالْخِلَافُ فِي أَنَّ الْمُكَاتَبَ هَلْ عَلَيْهِ فِطْرَةُ نَفْسِهِ؟ تَجْرِي فِي أَنَّهُ هَلْ يَلْزَمُهُ فِطْرَةُ زَوْجَتِهِ وَعَبِيدِهِ؟ وَالصَّحِيحُ: لَا يَلْزَمُهُ، وَنَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّ فِطْرَةَ زَوْجَتِهِ وَعَبِيدِهِ كَنَفْسِهِ، وَفِي وُجُوبِهَا الْخِلَافُ. الصَّحِيحُ: لَا تَلْزَمُهُ، وَأَمَّا الْمُدَبَّرَةُ وَالْمُسْتَوْلَدَة فَكَالْقِنِّ فَتَجِبُ فِطْرَتُهُ عَلَى سَيِّدِهِ لَا عَلَى نَفْسِهِ، وَأَمَّا مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ وَبَعْضُهُ رَقِيقٌ فَتَجِبُ فِطْرَتُهُ بِلَا خِلَافٍ، وَتَكُونُ عَلَيْهِ وَعَلَى مَالِكِ بَعْضِهِ إنْ لَمْ تَكُنْ مُهَايَأَةٌ، وَسَيَأْتِي إيضَاحُهُ فِي الْفَصْلِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: الْيَسَارُ، فَالْمُعْسِرُ لَا فِطْرَةَ عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ، قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ: وَالِاعْتِبَارُ بِالْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ بِحَالِ الْوُجُوبِ، فَمَنْ فَضَلَ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ لِلَيْلَةِ الْعِيدِ وَيَوْمِهِ صَاعٌ، فَهُوَ مُوسِرٌ، وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ فَهُوَ مُعْسِرٌ وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ فِي الْحَالِ، وَلَا يَسْتَقِرُّ فِي ذِمَّتِهِ، فَلَوْ أَيْسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ الْإِخْرَاجُ عَنْ الْمَاضِي بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا، سَوَاءٌ أَيْسَرَ عَقِبَ وَقْتِ الْوُجُوبِ بِلَحْظَةٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ، لَكِنْ اسْتَحَبَّ لَهُ الْإِخْرَاجُ، وَحَكَى أَصْحَابُنَا عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ إنْ أَيْسَرَ