فهرس الكتاب

الصفحة 2059 من 4102

ج / 6 ص -41- مَدَارُهُ عَلَى أَبِي عَمَّارٍ، وَلَا يُعْلَمُ حَالُهُ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، فَإِنْ صَحَّ فَجَوَابُهُ: أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إسْقَاطُ الْفِطْرَةِ؛ لِأَنَّهُ سَبَقَ الْأَمْرُ بِهِ، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِإِسْقَاطِهَا، وَالْأَصْلُ: بَقَاءُ وُجُوبِهَا.

وَقَوْلُهُ:"لَمْ يَأْمُرْنَا"لَا أَثَرَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ سَبَقَ، وَلَا حَاجَةَ إلَى تَكْرَارِهِ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى وُجُوبِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَكَذَا نَقَلَ الْإِجْمَاعَ فِيهَا ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي"الْأَشْرَافِ"، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ الرِّوَايَةِ عَنْ ابْنِ عُلَيَّةَ وَالْأَصَمِّ، وَإِنْ كَانَ الْأَصَمُّ لَا يُعْتَدُّ بِهِ فِي الْإِجْمَاعِ كَمَا سَبَقَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ صاحب"الحاوي"فِي وَقْتِ شَرْعِ وُجُوبِ الْفِطْرَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ أحدهما: وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا الْبَغْدَادِيِّينَ: أَنَّهَا وَجَبَتْ بِمَا وَجَبَتْ بِهِ زَكَاةُ الْأَمْوَالِ، وَهُوَ الظَّوَاهِرُ الَّتِي فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لِعُمُومِهَا فِي الزَّكَاتَيْنِ. والثاني: قَالَهُ أَصْحَابُنَا الْبَصْرِيُّونَ: أَنَّهَا وَجَبَتْ بِغَيْرِ مَا وَجَبَتْ بِهِ زَكَاةُ الْأَمْوَالِ، وَأَنَّ وُجُوبَهَا سَابِقٌ لِوُجُوبِ زَكَاةِ الْأَمْوَالِ؛ لِحَدِيثِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ الْمَذْكُورِ، وَاخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ هَلْ وَجَبَتْ بِالْكِتَابِ؟ أَمْ بِالسُّنَّةِ؟ فَقِيلَ: بِالسُّنَّةِ؛ لِحَدِيثِ قَيْسٍ، وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِمَا، وَقِيلَ: بِالْقُرْآنِ وَإِنَّمَا السُّنَّةُ مُبَيِّنَةٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ إلَّا عَلَى مُسْلِمٍ، فَأَمَّا الْكَافِرُ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ أَصْلِيًّا لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ)؛ لِلْخَبَرِ، وَإِنْ كَانَ مُرْتَدًّا فَعَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ مِنْ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ، وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ زَكَاةُ الْمَالِ، فَلَا يَلْزَمُهُ زَكَاةُ فِطْرٍ كَالْكَافِرِ. وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: تَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ تَابِعَةٌ لِلنَّفَقَةِ وَنَفَقَتُهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَكَذَلِكَ فِطْرَتُهُ. وَهَذَا يَبْطُلُ بِالذِّمِّيِّ، فَإِنَّ نَفَقَتَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا تَلْزَمُهُ الْفِطْرَةُ. وَلَا تَجِبُ إلَّا عَلَى مَنْ فَضَلَ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ وَقْتَ الْوُجُوبِ مَا يُؤَدِّي فِي الْفِطْرَةِ، فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْ نَفَقَتِهِ شَيْءٌ لَمْ تَلْزَمْهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ، فَإِنْ فَضَلَ بَعْضُ مَا يُؤَدِّيهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ أحدهما: لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ عَدِمَ بَعْضَ مَا يُؤَدِّي بِهِ الْفَرْضَ فَلَمْ يَلْزَمْهُ، كَمَا لَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَهُوَ يَمْلِكُ بَعْضَ1 رَقَبَةٍ والثاني: يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَلَكَ نِصْفَ عَبْدٍ لَزِمَهُ نِصْفُ فِطْرَتِهِ، فَإِذَا مَلَكَ نِصْفَ الْفَرْضِ لَزِمَهُ إخْرَاجُهُ فِي فِطْرَتِهِ".

الشرح: قَالَ أَصْحَابُنَا: شُرُوطُ وُجُوبِ الْفِطْرَةِ ثَلَاثَةٌ: الْإِسْلَامُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْيَسَارُ. فَالْأَوَّلُ: الْإِسْلَامُ، فَلَا فِطْرَةَ عَلَى كَافِرٍ أَصْلِيٍّ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَا عَنْ غَيْرِهِ إلَّا إذَا كَانَ لَهُ عَبْدٌ مُسْلِمٌ، أَوْ قَرِيبٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مُسْتَوْلَدَةٌ مُسْلِمَةٌ، فَفِي وُجُوبِ فِطْرَتِهِمْ عَلَيْهِ وَجْهَانِ أصحهما: يَجِبُ، وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ مَنْ لَزِمَهُ فِطْرَةُ غَيْرِهِ هَلْ تَجِبُ عَلَى الْمُؤَدِّي ابْتِدَاءً؟ أَمْ عَلَى الْمُؤَدَّى عَنْهُ ثُمَّ يَتَحَمَّلُهَا الْمُؤَدِّي؟ وَفِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ، وَقَدْ ذَكَرُهُمَا الْمُصَنِّفُ فِي الْفَصْلِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا، وَهُنَاكَ نُوضِحُهُمَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

فإن قلنا: يَجِبُ، قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: لَا صَائِرَ إلَى أَنَّ الْمُتَحَمِّلَ عَنْهُ يَنْوِي، بَلْ يَكْفِي إخْرَاجُ الْكَافِرِ وَنِيَّتُهُ؛ لِأَنَّهُ الْمُكَلَّفُ بِالْإِخْرَاجِ، وَلَوْ أَسْلَمَتْ ذِمِّيَّةٌ تَحْتَ ذِمِّيٍّ وَدَخَلَ وَقْتُ وُجُوبُ الْفِطْرَةِ فِي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 في بعض النسخ (نصف) بدل (بعض) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت