ج / 6 ص -26- مَصْرِفَ حَقِّ الْمَعْدِنِ مَاذَا؟ فَإِنْ أَوْجَبْنَا فِيهِ رُبْعَ الْعُشْرِ فَمَصْرِفُهُ مَصْرِفُ الزَّكَوَاتِ، وَإِنْ أَوْجَبْنَا الْخُمْسَ فَطَرِيقَانِ. الْمَذْهَبُ: مَصْرِفُ الزَّكَوَاتِ والثاني: فِيهِ قَوْلَانِ. أصحهما: هَذَا. والثاني: مَصْرِفُ خُمْسِ الْفَيْءِ، وَبِهَذَا قَالَ الْمُزَنِيّ وَأَبُو حَفْصِ بْنُ الْوَكِيلِ مِنْ أَصْحَابِنَا، حَكَاهُ عَنْهُمَا صاحب"البيان"، فَإِنْ قُلْنَا بِهَذَا أُخِذَ مِنْ الذِّمِّيِّ الْخُمْسُ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ: إنَّهُ مَصْرِفُ الزَّكَوَاتِ، لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ شَيْءٌ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَ الذِّمِّيُّ مَمْنُوعًا مِنْ الْمَعْدِنِ كَمَا يُمْنَعُ مِنْ الْإِحْيَاءِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُمَلَّكَ مَا يَأْخُذُهُ مِنْهُ، كَمَا لَا يُمَلَّكُ مَا أَحْيَاهُ، وَالْجَوَابُ: أَنَّ ضَرَرَ الْإِحْيَاءِ مُؤَبَّدٌ، فَلَمْ يُمَلَّكْ بِهِ بِخِلَافِ الْمَعْدِنِ. قَالَ أَصْحَابُنَا: ثُمَّ عَلَى الْمَذْهَبِ يُشْتَرَطُ النِّيَّةُ فِيهِ كَسَائِرِ الزَّكَاوَاتِ، وَإِذَا قُلْنَا: مَصْرِفُ الْفَيْءِ فَلَا يُشْتَرَطُ النِّيَّةُ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يُمْنَعُ مِنْ الْمَعْدِنِ، وَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ، قَالَ الْمَرْوَزِيُّ: فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَجِدَ الْمُكَاتَبُ مَعْدِنًا أَوْ رِكَازًا، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهِ؟ وَبَيْنَ أَنْ يَغْنَمَ غَنِيمَةً مِنْ الْكُفَّارِ فَيَجِبُ فِيهَا الْخُمْسُ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ فِي الْغَنِيمَةِ يَمْلِكُ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهَا أَوَّلًا، وَيَمْلِكُ أَهْلُ الْخُمْسِ حِينَئِذٍ الْخُمْسَ، وَفِي الْمَعْدِنِ وَالرِّكَازِ يَمْلِكُ كُلَّهُ بِالْوُجُودِ، وَلَكِنْ يَجِبُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الْحُرِّ إخْرَاجُ وَاجِبِهِ زَكَاةً، وَالْمُكَاتَبُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيمَا مَلَكَهُ كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِ، وَهَذَا مَذْهَبُنَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَلْزَمُ الْمُكَاتَبَ زَكَاةُ الْمَعْدِنِ.
فرع: قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَوْ اشْتَرَى الْحُرُّ الْمُسْلِمُ أَرْضًا فَظَهَرَ فِيهَا مَعْدِنٌ، فَهُوَ مِلْكُ الْمُشْتَرِي، فَإِنْ شَاءَ عَمَلَهُ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ وَلَا يَتَعَرَّضُ لَهُ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَإِنْ وَجَدَ شَيْئًا غَيْرَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كَالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ وَالْفَيْرُوزَجِ وَالْبِلَّوْرِ وَغَيْرِهِمَا لَمْ تَجِبْ فِيهِ الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْأَمْوَالِ الْمُزَكَّاةِ، فَلَمْ يَجِبْ فِيهَا حَقُّ الْمَعْدِنِ. وَإِنْ وَجَدَهُ دُونَ النِّصَابِ لَمْ يَلْزَمْهُ الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّا بَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ زَكَاةٌ، فَلَا يَجِبُ فِي غَيْرِ النِّصَابِ؛ وَلِأَنَّهُ حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بِالْمُسْتَفَادِ مِنْ الْأَرْضِ فَاعْتُبِرَ فِيهِ النِّصَابُ كَالْعُشْرِ".
الشرح: اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ الْمُسْتَخْرَجَ مِنْ الْمَعْدِنِ إذَا كَانَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ. وَأَمَّا غَيْرُهُمَا مِنْ الْجَوَاهِرِ كَالْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ وَالْفَيْرُوزَجِ وَالْبِلَّوْرِ وَالْمَرْجَانِ وَالْعَقِيقِ وَالزُّمُرُّدِ وَالزَّبَرْجَدِ وَالْكُحْلِ وَغَيْرِهَا، فَلَا زَكَاةَ فِيهَا. هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي كُتُبِهِ الْمَشْهُورَةِ فِي الْجَدِيدِ وَالْقَدِيمِ. وَبِهِ قَطَعَ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ فِي الطُّرُقِ كُلِّهَا. قَالَ الدَّارِمِيُّ فِي"الِاسْتِذْكَارِ": قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا قَوْلَانِ قَالَ: وَنَقَلَ الْقَيْصَرِيُّ1 مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ الْقَدِيمِ قَوْلَيْنِ فِي وُجُوبِهَا كَالزَّكَاةِ. وَحَكَى الرَّافِعِيُّ وَجْهًا شَاذًّا مُنْكَرًا أَنَّهُ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي كُلِّ مُسْتَخْرَجٍ مِنْهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَجِبُ فِي الْمُنْطَبِعَاتِ كَالْحَدِيدِ. وَقَالَ أَحْمَدُ: فِي كُلِّ مُسْتَخْرَجٍ. دَلِيلُنَا: أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِالْإِجْمَاعِ، فَلَا تَجِبُ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا بِدَلِيلٍ صَرِيحٍ.
وَهَلْ يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ زَكَاةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الْمُسْتَخْرَجِينَ2 مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ النِّصَابُ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 كذا في"ش"و"ق"ولعله الصيمري (ط) .
2 لعله هكذا"المستخرجين من المعدن النصاب"ا هـ من نسخة علي بن عيسى الحداد.