ج / 6 ص -14- زَكَّى الْجَمِيعَ بِحَوْلِ الْأَصْلِ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ ظَهَرَتْ بَعْدَ تَمَامِهِ فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا الرَّافِعِيُّ. أحدهما: كَهَذَا، والثاني: وَهُوَ الْأَصَحُّ: يَسْتَأْنِفُ لِلرِّبْحِ حَوْلًا.
هَذَا كُلُّهُ إذَا صَارَ الْمَالُ نَاضًّا مِنْ جِنْسِ رَأْسِ الْمَالِ، بِأَنْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ دَرَاهِمَ فَبَاعَهُ بِدَرَاهِمَ، أَمَّا إذَا صَارَ نَاضًّا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، بِأَنْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ دَرَاهِمَ فَبَاعَ الْعَرْضَ بِدَنَانِيرَ فَيُقَوِّمُهَا إذَا انْقَضَى الْحَوْلُ بِالدَّرَاهِمِ، وَيُزَكِّي رِبْحَهَا لِحَوْلِ الْأَصْلِ قَوْلًا وَاحِدًا، كَمَا سَنَذْكُرُهُ فِي الْعَرْضِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّ رَأْسَ الْمَالِ إذَا كَانَ دَرَاهِمَ لَا يُقَوَّمُ فِي آخِرِ الْحَوْلِ إلَّا بِهَا، فَالدَّنَانِيرُ كَالْعَرْضِ. هَكَذَا قَطَعَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَالْأَكْثَرُونَ، وَنَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْجُمْهُورِ. ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ فِي ضَمِّ الرِّبْحِ إلَى حَوْلِ الْأَصْلِ: الطَّرِيقَانِ السَّابِقَانِ، فِيمَا إذَا كَانَ النَّاضُّ مِنْ جِنْسِهِ، وَالْمَذْهَبُ: الْأَوَّلُ. هَذَا كُلُّهُ إذَا نَضَّ مَالُ التِّجَارَةِ وَفِيهِ رِبْحٌ. أَمَّا إذَا حَصَلَ رِبْحٌ فِي قِيمَةِ الْعَرْضِ، وَلَمْ يَنِضَّ بِأَنْ اشْتَرَى عَرْضًا بِمِائَتَيْنِ وَلَمْ يَنِضَّ حَتَّى تَمَّ الْحَوْلُ وَهُوَ يُسَاوِي ثَلَاثَمِائَةٍ، فَيَحْسُبُ زَكَاةُ ثَلَاثِمِائَةٍ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِ رَأْسِ الْمَالِ بِلَا خِلَافٍ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ الزِّيَادَةُ فِي نَفْسِ الْعَرْضِ كَثَمَنِ الْعَبْدِ وَالْجَارِيَةِ وَالدَّابَّةِ وَكِبَرِ الشَّجَرَةِ وَغَيْرِهَا أَوْ بِارْتِفَاعِ السُّوقِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ الزِّيَادَةُ فِي الْقِيمَةِ حَاصِلَةً يَوْمَ الشِّرَى أَوْ حَدَثَتْ قَبْلَ الْحَوْلِ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ أَوْ قَصِيرٍ، حَتَّى يَوْمٍ وَاحِدٍ أَوْ لَحْظَةٍ، فَفِي كُلِّ هَذَا يُضَمُّ الرِّبْحُ إلَى الْأَصْلِ، وَيُزَكَّى الْجَمِيعُ لِحَوْلِ الْأَصْلِ بِلَا خِلَافٍ. هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَسَائِرُ الْأَصْحَابِ.
وَنَقَلَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي"الْمُجَرَّدِ"وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَصَاحِبُ"الْبَيَانِ": اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عَلَيْهِ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ نَمَاءٌ فِي السِّلْعَةِ فَأَشْبَهَ النِّتَاجَ فِي الْمَاشِيَةِ. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: حَكَى الْأَصْحَابُ الْقَطْعَ بِهَذَا، لَكِنَّ مَنْ يَعْتَبِرُ النِّصَابَ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ قَدْ لَا يُسَلِّمُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِي الرِّبْحِ فِي آخِرِ الْحَوْلِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنْ يَقُولَ: ظُهُورُ الرِّبْحِ فِي أَثْنَائِهِ كَنَضُوضِهِ، فَيَكُونُ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ، قَالَ: وَهَذَا لَا بُدَّ مِنْهُ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَالْمَذْهَبُ مَا سَبَقَ قلت: وَهُوَ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ. وَهَذَا الَّذِي أَبْدَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ احْتِمَالٌ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي النِّتَاجِ، فَإِنَّ النِّصَابَ مُعْتَبَرٌ فِي الْمَاشِيَةِ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ بِالِاتِّفَاقِ، وَالنِّتَاجُ مَضْمُومٌ إلَى الْأَصْلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. أَمَّا إذَا ارْتَفَعَتْ قِيمَةُ الْعَرْضِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَوْلِ فَالرِّبْحُ مَضْمُومٌ إلَى الْأَصْلِ فِي الْحَوْلِ الثَّانِي، لَا فِي الْأَوَّلِ كَالنِّتَاجِ. وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ، صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَآخَرُونَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ1 الثَّانِيَةُ: إذَا كَانَ عِنْدَهُ نِصَابٌ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِلْقُنْيَةِ فَبَاعَهُ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ بِنِصَابٍ مِنْ جِنْسِهِ أَوْ مِنْ الْجِنْسِ الْآخَرِ، فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ التِّجَارَةَ انْقَطَعَ الْحَوْلُ بِلَا خِلَافٍ، كَمَا لَوْ بَادَلَ بِالْمَاشِيَةِ، ثُمَّ إنْ لَمْ يَقْصِدْ الْفِرَارَ مِنْ الزَّكَاةِ فَلَا كَرَاهَةَ، وَإِنْ قَصَدَهُ كُرِهَ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: تَحْرِيمٍ، وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي بَابِ زَكَاةِ الثِّمَارِ، وَإِنْ بَاعَهُ بِقَصْدِ التِّجَارَةِ كَالصَّيْرَفِيِّ وَنَحْوِهِ فَوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ. ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلَيْهِمَا: أصحهما: عِنْدَ الْأَصْحَابِ - وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ: يَنْقَطِعُ الْحَوْلُ فِي الْبَيْعِ وَيَسْتَأْنِفُ حَوْلًا لِمَا اشْتَرَاهُ، فَإِنْ بَاعَ الثَّانِيَ قَبْلَ حَوْلِهِ لِلتِّجَارَةِ انْقَطَعَ حَوْلُهُ،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 كذا بالأصل والصواب أنها"المسألة الثالثة" (ط)