ج / 5 ص -293- فَإِنَّهُ ليْسَ فِيهِ إبَاحَةٌ، وَاحْتَجَّ بَعْضُ الأَصْحَابِ للأَصَحِّ أَيْضًا بِأَنَّ اللبَنَ نَمَاءٌ، فَلا يُشْتَرَطُ الاخْتِلاطُ فِيهِ كَالصُّوفِ. هَذَا مُخْتَصَرُ الكَلامِ فِي الحَالبِ وَالمِحْلبِ وَخَلطِ اللبَنِ، قَال أَصْحَابُنَا: سَبَبُ الخِلافِ فِي اشْتِرَاطِ خَلطِ اللبَنِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ رضي الله عنه قَال فِي المُخْتَصَرِ: وَفِي رِوَايَةِ حَرْمَلةَ وَالزَّعْفَرَانِيّ فِي شُرُوطِ الخُلطَةِ: وَأَنْ يَحْلبَا مَعًا. وَلمْ يَذْكُرْ الشَّافِعِيُّ ذَلكَ فِي الأُمِّ. ذَكَرَ ذَلكَ كُلهُ القَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالأَصْحَابُ. قَال القَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: لا خِلافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا أَنَّ اتِّحَادَ الحَلابِ شَرْطٌ، لكِنْ اخْتَلفُوا فِي المُرَادِ بِهِ، فَظَاهِرُ مَا نَقَلهُ المُزَنِيّ وَعَليْهِ عَامَّةُ أَصْحَابِنَا أَنَّ مَعْنَاهُ اتِّحَادُ الإِنَاءِ وَخَلطُ اللبَنِ؛ لأَنَّهُ يُفْضِي إلى الرِّبَا، هَذَا الذِي ذَكَرَهُ القَاضِي مِنْ الاتِّفَاقِ عَلى اشْتِرَاطِ اتِّحَادِ الحَلابِ هُوَ المَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الجُمْهُورُ.
قَال ابْنُ كَجٍّ: فِي المَسْأَلةِ طَرِيقَانِ: أحدهما: لا يُشْتَرَطُ قَوْلًا وَاحِدًا والثاني: عَلى قَوْليْنِ، وَهَذَا غَرِيبٌ ضَعِيفٌ، وَذَكَرَ صَاحِبُ البَيَانِ فِي المَسْأَلةِ ثَلاثَةَ أَوْجُهٍ أصحها: قَوْل أَبِي إِسْحَاقَ المَرْوَزِيُّ وَاخْتَلفُوا فِي حِكَايَتِهِ، فَنَقَل الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنْهُ أَنَّهُ قَال: مُرَادُ الشَّافِعِيِّ أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُ الحَلبِ وَاحِدًا، وَنَقَل المَحَامِليُّ وَصَاحِبُ الفُرُوعِ عَنْهُ أَنَّهُ قَال: مُرَادُ الشَّافِعِيِّ الإِنَاءُ الذِي يُحْلبُ فِيهِ، وَنَقَل صَاحِبُ الشَّامِل عَنْهُ أَنَّهُ قَال: مُرَادُ الشَّافِعِيِّ أَنْ يَكُونَ الحَالبُ وَاحِدًا، فَهَذِهِ ثَلاثَةُ أَوْجُهٍ فِي حِكَايَةِ مَذْهَبِ أَبِي إِسْحَاقَ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الأَصْحَابِ. والوجه الثاني: يُشْتَرَطُ أَنْ يَحْلبَا مَعًا وَيَخْلطَا اللبَنَ، ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ والثالث: يُشْتَرَطُ اتِّحَادُ الحَالبِ وَالإِنَاءِ وَخَلطُ اللبَنِ، وَاخْتَصَرَ الرَّافِعِيُّ حُكْمَ المَسْأَلةِ فَقَال: يُشْتَرَطُ المَوْضِعُ الذِي يُحْلبُ فِيهِ، وَالأَصَحُّ أَنَّهُ لا يُشْتَرَطُ اتِّحَادُ الحَالبِ وَلا اتِّحَادُ الإِنَاءِ وَلا خَلطُ اللبَنِ وَاَللهُ تَعَالى أَعْلمُ.
العَاشِرَةُ: نِيَّةُ الخَلطِ فِيهَا وَجْهَانِ: مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا المُصَنِّفُ بِدَليليْهِمَا أصحهما: عِنْدَ الأَصْحَابِ: لا يُشْتَرَطُ، قَال أَصْحَابُنَا: وَيَجْرِي الوَجْهَانِ: فِيمَا لوْ اتَّفَقَتْ المَاشِيَةُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يُشْتَرَطُ الاجْتِمَاعُ فِيهِ بِنَفْسِهَا، أَوْ فَرَّقَهَا الرَّاعِي وَلمْ يَعْلمْ المَالكَانِ إلا بَعْدَ طُول الزَّمَانِ، هَل تَنْقَطِعُ الخُلطَةُ أَمْ لا؟ أما: إذَا فَرَّقَاهَا هُمَا أَوْ أَحَدُهُمَا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلكَ قَصْدًا، فَتَنْقَطِعُ الخُلطَةُ وَإِنْ كَانَ ذَلكَ يَسِيرًا بِلا خِلافٍ لفَقْدِ الشَّرْطِ، وَأَمَّا التَّفْرِيقُ اليَسِيرُ بِغَيْرِ قَصْدٍ، فَلا يُؤَثِّرُ بِالاتِّفَاقِ، لكِنْ لوْ اطَّلعَا عَليْهِ، فَأَقَرَّاهَا عَلى تَفَرُّقِهَا انْقَطَعَتْ الخُلطَةُ، قَال أَصْحَابُنَا: وَمَتَى ارْتَفَعَتْ الخُلطَةُ وَجَبَ عَلى مَنْ بَلغَ نُصِيبُهُ نِصَابًا زَكَاةُ الانْفِرَادِ إذَا تَمَّ حَوْلهُ مِنْ يَوْمِ المِلكِ لا مِنْ يَوْمِ ارْتِفَاعِهَا، وَاَللهُ تَعَالى أَعْلمُ.
قَال المُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"فَأَمَّا إذَا ثَبَتَ لكُل وَاحِدٍ مِنْ الخَليطَيْنِ حُكْمُ الانْفِرَادِ بِالحَوْل، مِثْل أَنْ يَكُونَ لكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصَابٌ مِنْ الغَنَمِ مَضَى عَليْهِ بَعْضُ الحَوْل، ثُمَّ خَلطَاهُ نُظِرَتْ فَإِنْ كَانَ حَوْلهُمَا مُتَّفِقًا بِأَنْ مَلكَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصَابَهُ فِي المُحَرَّمِ، ثُمَّ خَلطَاهُ فِي صَفَرٍ فَفِيهِ قَوْلانِ: (قَال فِي القَدِيمِ) : يُبْنَى حَوْل الخُلطَةِ عَلى حَوْل الانْفِرَادِ فَإِذَا حَال الحَوْل عَلى مَاليْهِمَا لزِمَهُمَا شَاةٌ وَاحِدَةٌ؛ لأَنَّ الاعْتِبَارَ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ بِآخِرِ الحَوْل، بِدَليل أَنَّهُ لوْ كَانَ مَعَهُ مِائَةٌ وَإِحْدَى وَعِشْرُونَ شَاةً، ثُمَّ تَلفَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهَا قَبْل الحَوْل بِيَوْمٍ لمْ تَجِبْ إلا شَاةٌ، وَلوْ كَانَتْ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ، ثُمَّ وَلدَتْ وَاحِدَةٌ قَبْل الحَوْل بِيَوْمٍ وَجَبَتْ شَاتَانِ، وَقَدْ وُجِدَتْ الخُلطَةُ هَهُنَا فِي آخِرِ الحَوْل"