ج / 5 ص -216- الزَّكَاةِ، قَال الإِمَامُ: المُعْتَمَدُ أَنَّ مَقْصُودَ الزَّكَاةِ سَدُّ خُلةِ الفَقِيرِ مِنْ مَال الأَغْنِيَاءِ شُكْرًا للهِ تَعَالى، وَتَطْهِيرًا للمَال، وَمَال الصَّبِيِّ قَابِلٌ لأَدَاءِ النَّفَقَاتِ وَالغَرَامَاتِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا: فَالزَّكَاةُ عِنْدَنَا وَاجِبَةٌ فِي مَال الصَّبِيِّ وَالمَجْنُونِ بِلا خِلافٍ وَيَجِبُ عَلى الوَليِّ إخْرَاجُهَا مِنْ مَالهِمَا كَمَا يُخْرِجُ مِنْ مَالهِمَا غَرَامَةَ المُتْلفَاتِ وَنَفَقَةَ الأَقَارِبِ وَذَلكَ مِنْ الحُقُوقِ المُتَوَجِّهَةِ إليْهِمَا، فَإِنْ لمْ يُخْرِجْ الوَليُّ الزَّكَاةَ وَجَبَ عَلى الصَّبِيِّ وَالمَجْنُونِ بَعْدَ البُلوغِ وَالإِفَاقَةِ إخْرَاجُ زَكَاةِ مَا مَضَى بِاتِّفَاقِ الأَصْحَابِ؛ لأَنَّ الحَقَّ تَوَجَّهَ إلى مَالهِمَا، لكِنَّ الوَليَّ عَصَى بِالتَّأْخِيرِ فَلا يَسْقُطُ مَا تَوَجَّهَ إليْهِمَا. وَأَمَّا المَال المَنْسُوبُ إلى الجَنِينِ بِالإِرْثِ أَوْ غَيْرِهِ فَإِذَا انْفَصَل حَيًّا هَل تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ (المَذْهَبُ) أَنَّهَا لا تَجِبُ، وَبِهِ قَطَعَ الجُمْهُورُ لأَنَّ الجَنِينَ لا يُتَيَقَّنُ حَيَاتُهُ، وَلا يُوثَقُ بِهَا، فَلا يَحْصُل تَمَامُ المِلكِ وَاسْتِقْرَارُهُ، فَعَلى هَذَا يَبْتَدِئُ حَوْلًا مِنْ حِينِ يَنْفَصِل. وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: حَكَاهُ المَاوَرْدِيُّ فِي بَابِ نِيَّةِ الزَّكَاةِ وَالمُتَوَلي وَالشَّاشِيُّ وَآخَرُونَ فِيهِ وَجْهَانِ أصحهما: هَذَا، والثاني: تَجِبُ كَالصَّبِيِّ، قَال إمَامُ الحَرَمَيْنِ: تَرَدَّدَ فِيهِ شَيْخِي، قَال: وَجَزَمَ الأَئِمَّةُ بِأَنَّهَا لا تَجِبُ وَاَللهُ أَعْلمُ، وَقَوْل المُصَنِّفِ: الزَّكَاةُ تُرَادُ لثَوَابِ المُزَكِّي، وَمُوَاسَاةِ الفَقِيرِ، هَذَانِ لا بُدَّ مِنْهُمَا، فَبِقَوْلهِ ثَوَابُ المُزَكِّي يَخْرُجُ الكَافِرُ، وَبِقَوْلهِ (مُوَاسَاةِ الفَقِيرِ) يَخْرُجُ المُكَاتَبُ وَاَللهُ أَعْلمُ.
فَرْعٌ: فِي مَذَاهِبِ العُلمَاءِ فِي زَكَاةِ مَال المُكَاتَبِ
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ لا زَكَاةَ فِي مَال المُكَاتَبِ، سَوَاءٌ الزَّرْعُ وَغَيْرُهُ، وَبِهِ قَال جُمْهُورُ العُلمَاءِ مِنْ السَّلفِ وَالخَلفِ، قَال ابْنُ المُنْذِرِ: وَهُوَ قَوْل العُلمَاءِ كَافَّةً إلا أَبَا ثَوْرٍ فَأَوْجَبَهَا عَلى المُكَاتَبِ فِي كُل شَيْءٍ كَالحُرِّ، وَحَكَاهُ العَبْدَرِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ دَاوُد، وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: يَجِبُ العُشْرُ فِي زَرْعِهِ وَلا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي بَاقِي أَمْوَالهِ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلهِ صلى الله عليه وسلم:"فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ العُشْرُ"وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَاحْتَجَّ دَاوُد بِقَوْلهِ تَعَالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43] وَالمُكَاتَبُ وَالعَبْدُ يَدْخُلانِ فِي الخِطَابِ الأَصَحِّ عِنْدَ الأُصُوليِّينَ دَليلنَا ضَعْفُ مِلكِهِ بِخِلافِ الحُرِّ وَلأَنَّهَا للمُوَاسَاةِ وَليْسَ هُوَ مِنْ أَهْلهَا وَعَلى أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا بِالقِيَاسِ عَلى غَيْرِ العُشْرِ، وَالآيَةُ وَالحَدِيثُ مَحْمُولانِ عَلى الأَحْرَارِ.
فَرْعٌ: فِي مَذَاهِبِهِمْ فِي مَال العَبْدِ
ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ لا يَمْلكُ عَلى الصَّحِيحِ، وَإِنْ مَلكَ عَلى الضَّعِيفِ فَلا زَكَاةَ، وَبِهِ قَال جُمْهُورُ العُلمَاءِ، وَبِهِ قَال ابْنُ عُمَرَ وَجَابِرٌ وَالزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ وَمَالكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَسَائِرُ العُلمَاءِ إلا مَا حَكَاهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَطَاءٍ وَأَبِي ثَوْرٍ أَنَّهُمَا أَوْجَبَاهَا عَلى العَبْدِ، قَال: وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عُمَرَ وَحَكَاهُ العَبْدَرِيُّ عَنْ دَاوُد.
فرع: فِي مَذَاهِبِهِمْ فِي مَال الصَّبِيِّ وَالمَجْنُونِ، ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا وُجُوبُهَا فِي مَالهِمَا، وَبِهِ قَال الجُمْهُورُ، وَحَكَى ابْنُ المُنْذِرِ وُجُوبَهَا فِي مَال الصَّبِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ وَعَليٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ وَالحَسَنِ بْنِ عَليٍّ وَعَائِشَةَ وَطَاوُسٍ وَعَطَاءٍ وَجَابِرٍ وَابْنِ زَيْدٍ وَمُجَاهِدٍ وَابْنِ سِيرِينَ وَرَبِيعَةَ وَمَالكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالحَسَنِ بْنِ صَالحٍ وَابْنِ عُيَيْنَةَ وَعُبَيْدِ اللهِ بْنِ الحَسَنِ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي ثَوْرٍ