ج / 5 ص -206- الشرح: حَدِيثُ أَبِي مَرْثَدٍ رَوَاهُ مُسْلمٌ مُخْتَصَرًا قَال:"سَمِعْت رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُول:"لا تَجْلسُوا عَلى القُبُورِ وَلا تُصَلوا إليْهَا"وَثَبَتَ مَعْنَاهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَال"قَاتَل اللهُ اليَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ"رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلمٌ رحمهما الله وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ رضي الله عنهما قَالا:"لمَّا نُزِل1 بِرَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لهُ عَلى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ قَال وَهُوَ كَذَلكَ: لعْنَةُ اللهِ عَلى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ - يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا"رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلمٌ، وَأَبُو مَرْثَدٍ - بِفَتْحِ المِيمِ وَالثَّاءِ المُثَلثَةِ وَاسْمُهُ كَنَّازُ - بِفَتْحِ الكَافِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ - وَآخِرُهُ زَايٌ ابْنُ حُصَيْنٍ، وَيُقَال ابْنُ الحُصَيْنِ الغَنَوِيُّ - بِفَتْحِ الغَيْنِ المُعْجَمَةِ وَالنُّونِ - تُوُفِّيَ بِالشَّامِ سَنَةَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ، وَقِيل: سَنَةَ إحْدَى وَهُوَ ابْنُ سِتٍّ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَحَضَرَ هُوَ وَابْنُهُ مَرْثَدٌ بَدْرًا. وَاتَّفَقَتْ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَالأَصْحَابِ عَلى كَرَاهَةِ بِنَاءِ مَسْجِدٍ عَلى القَبْرِ سَوَاءٌ كَانَ المَيِّتُ مَشْهُورًا بِالصَّلاحِ أَوْ غَيْرِهِ، لعُمُومِ الأَحَادِيثِ، قَال الشَّافِعِيُّ وَالأَصْحَابُ: وَتُكْرَهُ الصَّلاةُ إلى القُبُورِ، سَوَاءٌ كَانَ المَيِّتُ صَالحًا أَوْ غَيْرَهُ قَال الحَافِظُ أَبُو مُوسَى: قَال الإِمَامُ أَبُو الحَسَنِ الزَّعْفَرَانِيُّ رحمه الله: وَلا يُصَلى إلى قَبْرِهِ، وَلا عِنْدَهُ تَبَرُّكًا بِهِ وَإِعْظَامًا لهُ للأَحَادِيثِ، وَاَللهُ أَعْلمُ."
قَال المُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَيُسْتَحَبُّ لأَقْرِبَاءِ المَيِّتِ وَجِيرَانِهِ أَنْ يُصْلحُوا لأَهْل المَيِّتِ طَعَامًا لمَا رُوِيَ أَنَّهُ:"لمَّا قُتِل جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالبٍ رضي الله عنه قَال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: اصْنَعُوا لآل جَعْفَرٍ طَعَامًا، فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَهُمْ أَمْرٌ يَشْغَلهُمْ عَنْهُ"."
الشرح: الحَدِيثُ المَذْكُورُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَال التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ وقوله: صلى الله عليه وسلم يَشْغَلهُمْ - بِفَتَخِ اليَاءِ وَحُكِيَ ضَمُّهَا وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ، وَقَدْ وَقَعَ فِي المُهَذَّبِ يَشْغَلهُمْ عَنْهُ، وَاَلذِي فِي كُتُبِ الحَدِيثِ يَشْغَلهُ بِحَذْفِ عَنْهُ، وَكَانَ قَتْل جَعْفَرٍ رضي الله عنه فِي جُمَادَى الآخِرَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ مِنْ الهِجْرَةِ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ، وَهِيَ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ بِالشَّامِ عِنْدَ الكَرْكِ، وَاتَّفَقَتْ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ فِي الأُمِّ وَالمُخْتَصَرِ وَالأَصْحَابِ عَلى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لأَقْرِبَاءِ المَيِّتِ وَجِيرَانِهِ أَنْ يَعْمَلوا طَعَامًا لأَهْل المَيِّتِ، وَيَكُونُ بِحَيْثُ يُشْبِعُهُمْ فِي يَوْمِهِمْ وَليْلتِهِمْ. قَال الشَّافِعِيُّ فِي المُخْتَصَرِ: وَأُحِبُّ لقَرَابَةِ المَيِّتِ وَجِيرَانِهِ أَنْ يَعْمَلوا لأَهْل المَيِّتِ فِي يَوْمِهِمْ وَليْلتِهِمْ طَعَامًا يُشْبِعُهُمْ، فَإِنَّهُ سُنَّةٌ، وَفِعْل أَهْل الخَيْرِ، قَال أَصْحَابُنَا: وَيُلحُّ عَليْهِمْ فِي الأَكْل وَلوْ كَانَ المَيِّتُ فِي بَلدٍ آخَرَ يُسْتَحَبُّ لجِيرَانِ أَهْلهِ أَنْ يَعْمَلوا لهُمْ طَعَامًا، وَلوْ قَال المُصَنِّفُ: وَيُسْتَحَبُّ لأَقْرِبَاءِ المَيِّتِ وَجِيرَانِ أَهْلهِ لكَانَ أَحْسَنَ لدُخُول هَذِهِ الصُّورَةِ.
قَال أَصْحَابُنَا رحمهم الله: وَلوْ كَانَ النِّسَاءُ يَنُحْنَ لمْ يَجُزْ اتِّخَاذُ طَعَامٍ لهُنَّ، لأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلى المَعْصِيَةِ. قَال صَاحِبُ الشَّامِل وَغَيْرُهُ: وَأَمَّا إصْلاحُ أَهْل المَيِّتِ طَعَامًا وَجَمْعُ النَّاسِ عَليْهِ فَلمْ يُنْقَل فِيهِ شَيْءٌ، وَهُوَ بِدْعَةٌ غَيْرُ مُسْتَحَبَّةٍ. هَذَا كَلامُ صَاحِبِ الشَّامِل. وَيُسْتَدَل لهَذَا بِحَدِيثِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 قوله (نزل) بالبناء للمجهول بضم النون وكسر الزاي (ط) .