ج / 5 ص -196- بَابُ التَّعْزِيَةِ وَالبُكَاءِ عَلى المَيِّتِ
البُكَاءُ يُمَدُّ وَيُقْصَرُ، لغَتَانِ، المَدُّ أَفْصَحُ، وَالعَزَاءُ بِالمَدِّ التَّعْزِيَةُ، وَهُمَا الصَّبْرُ عَلى مَا بِهِ مِنْ مَكْرُوهٍ، وَعَزَّاهُ أَيْ صَبَّرَهُ وَحَثَّهُ عَلى الصَّبْرِ؛ قَال الأَزْهَرِيُّ رحمه الله: أَصْلهَا التَّصْبِيرُ لمَنْ أُصِيبَ بِمَنْ يَعِزُّ عَليْهِ.
قَال المُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"تَعْزِيَةُ أَهْل المَيِّتِ سُنَّةٌ لمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَال:"قَال رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم:"مَنْ عَزَّى مُصَابًا فَلهُ مِثْل أَجْرِهِ"وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُعَزَّى بِتَعْزِيَةِ الخَضِرِ عليه السلام أَهْل بَيْتِ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ أَنْ يَقُول:"إنَّ فِي اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَزَاءٌ مِنْ كُل مُصِيبَةٍ، وَخَلفًا مِنْ كُل هَالكٍ، وَدَرْكًا مِنْ كُل فَائِتٍ؛ فَبِاَللهِ فَثِقُوا، وَإِيَّاهُ فَارْجُوا، فَإِنَّ المُصَابَ مَنْ حُرِمَ الثَّوَابَ"وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ [لهُ وَ1] للمَيِّتِ فَيَقُول: أَعْظَمَ اللهُ أَجْرَكَ، وَأَحْسَنَ عَزَاءَك، وَغَفَرَ لمَيِّتِك، وَإِنْ عَزَّى مُسْلمًا بِكَافِرٍ قَال: أَعْظَمَ اللهُ أَجْرَكَ، وَأَحْسَنَ عَزَاءَكَ، وَإِنْ عَزَّى كَافِرًا بِمُسْلمٍ قَال: أَحْسَنَ اللهُ عَزَاءَكَ وَغَفَرَ لمَيِّتِك، وَإِنْ عَزَّى كَافِرًا بِكَافِرٍ قَال: أَخْلفَ اللهُ عَليْك، وَلا نَقَصَ عَدَدُك، وَيُكْرَهُ الجُلوسُ2 للتَّعْزِيَةِ، لأَنَّ ذَلكَ مُحْدَثٌ وَالمُحْدَثُ بِدْعَةٌ"."
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 مابين المعقوفين ليس في ش و ق (ط) .
2 عبارة ويكره الجلوس معقود لها فصل في"متن المهذب"وقد أدرجها الشارح هنا (ط) .
قال النووي رحمه الله في"تهذيب الأسماء"و"اللغات"
الخضر عليه السلام مذكور في"المهذب"في باب التعزية هو بفتح الخاء وكسر الضاد ويجوز إسكان الضاد مع كسر الخاء وفتحها كما في نظائره. والخضر لقب قالوا واسمه يليا بموحدة مفتوحة ثم لام ساكنة ثم مثناة تحت ابن ملكان وقيل كليمان. قال بن قتيبة في المعارف: قال وهب بن منبه اسم الخضر يليا بن ملكان بن قانع بن عابر بت شامخ بن أرفخشد بن سام بن نوح. قالوا وكان أبوه من الملوك, واختلفوا في سبب تلقيبه بالخضر فقال الأكثرون لأنه جلس على فروة بيضاء فصارت خضراء, والفروة وجه الأرض وقيل: الهيثم من النبات وقيل:لأنه كان إذا صلى أخضر ما حوله, والصواب الأول, فقد روينا في"صحيح البخاري"عن همام بن منبه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنما سمي الخضر لأنه جلس علي فروة فإذا هي تهتز من خلفه خضراء فهذا نص صحيح صريح وكنية الخضر أبو العباس وهو صاحب موسى النبي صلى الله عليه وسلم الذي سأل السبيل في لقيه وقد أثنى الله تعالى عليه في كتابه بقوله تعالى: {فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} فأخبر الله عنه في باقي الآيات بتلك الأعجوباة وموسى الذي صحبه هو موسى بني إسرائيل كليم الله تعالى كما جاء به الحديث المشهور في"صحيح البخاري"ومسلم وهو مشتمل على عجائب من لأمرهما. واختلفوا في حياة الخضر ونبوته فقال الكثرون من العلماء: هو حي موجود بين أظهرنا, وذلك متفق عليه عند الصوفية وأهل الصلاح والمعرفة, وحكاياتهم في رؤيته والإجتماع به والأخذ عنه وسؤاله وجوابه ووجوده في المواضيع الشريفة ومواطن الخير أكثر من أن تحصر, وأشهر من أن تذكر.
وفي آخر"صحيح مسلم"في أحاديث الدجال إنه يقتل رجلا ثم يحيا قال إبراهيم بن أبي سفيان صاحب مسلم يقال: أي ذلك الرجل هو الخضر, وكذا قال معمر في"مسنده"أنه يقال: أنه الخضر وذكر أبو إسحاق الثعلبي المفسر اختلافا في أن الخضر كان في زمن إبراهيم الخليل عليه السلام أم بعده بقليل أم بعده بكثير. قال والخضر على جميع الأقوال نبي معمر محجوب عن الأبصار قال: إنه ليموت إلا في آخر الزمان عند==