فهرس الكتاب

الصفحة 1729 من 4102

ج / 5 ص -98- وَالغُسْل. وَلا خِلافَ هُنَا فِي اسْتِحْبَابِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالثَةِ نَصَّ عَليْهِ الشَّافِعِيُّ، وَاتَّفَقَ عَليْهِ الأَصْحَابُ وَغَيْرُهُمْ، وَفِي غُسْل الجَنَابَةِ وَجْهٌ أَنَّهُ لا تُسْتَحَبُّ الثَّانِيَةُ وَالثَّالثَةُ، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ فِي بَابِ غُسْل الجَنَابَةِ عَنْ صَاحِبِ الحَاوِي، وَوَافَقَ صَاحِبُ الحَاوِي هُنَا عَلى اسْتِحْبَابِ الثَّلاثِ، لأَنَّهُ خَاتِمَةُ أَمْرِ المَيِّتِ مَعَ قَوْلهِ صلى الله عليه وسلم"اغْسِلنَهَا ثَلاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا أَوْ أَكْثَرَ"وَاَللهُ أَعْلمُ. قَال أَصْحَابُنَا: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْعَل فِي كُل مَرَّةٍ مِنْ الغَسَلاتِ كَافُورًا فِي المَاءِ القَرَاحِ، وَهُوَ فِي الغَسْلةِ الأَخِيرَةِ آكَدُ للحَدِيثِ السَّابِقِ، وَلأَنَّهُ يُقَوِّي البَدَنَ وَليَكُنْ قَليلًا لا يَتَفَاحَشُ التَّغَيُّرُ بِهِ، فَإِنْ كَانَ صُلبًا وَتَفَاحَشَ التَّغَيُّرُ بِهِ، فَفِيهِ قَوْلانِ سَبَقَا فِي أَوَّل كِتَابِ الطَّهَارَةِ أصحهما: لا يُؤَثِّرُ فِي طَهُورِيَّتِهِ فِي غَيْرِ المَيِّتِ وَأَمَّا فِي غُسْل المَيِّتِ فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَليْهِ وَالأَصْحَابُ، وَثَبَتَ فِيهِ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ. قَال القَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي كِتَابِهِ المُجَرَّدِ: فَإِنْ قِيل هَلا قُلتُمْ إنَّ الكَافُورَ إذَا غَيَّرَ المَاءَ سَلبَ طَهُورِيَّتَهُ؟ قُلنَا قَال الشَّافِعِيُّ: تَغْيِيرُ الكَافُورِ تَغْيِيرُ مُجَاوَرَةٍ لا مُخَالطَةٍ، وَلمْ يَزِدْ القَاضِي فِي الجَوَابِ عَلى هَذَا، وَحَاصِلهُ أَنَّهُ تَفْرِيعٌ عَلى الصَّحِيحِ، وَأَحْسَنُ مَنْ ذَكَرَ السُّؤَال وَقَال كَلامًا فِيهِ السَّرَخْسِيُّ؛ فَقَال فِي الأَمَالي: اخْتَلفَ أَصْحَابُنَا فِي الجَوَابِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَال: لا يُحْسَبُ إذَا تَغَيَّرَ بِالكَافُورِ، وَتَأَوَّل الحَدِيثَ وَكَلامَ الشَّافِعِيِّ عَلى كَافُورٍ يَسِيرٍ لا يَفْحُشُ تَغَيُّرُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلهُ عَلى مَا إذَا جَعَل الكَافُورَ فِي البَدَنِ ثُمَّ صَبَّ المَاءَ القَرَاحَ عَليْهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَال: هُوَ عَلى إطْلاقِهِ فِي كَافُورٍ يُطْرَحُ فِي المَاءِ وَيُغَيِّرُهُ تَغْيِيرًا كَثِيرًا، وَلكِنْ لا يُحْسَبُ ذَلكَ عَلى الغَسْلةِ الوَاجِبَةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَال: هُوَ عَلى إطْلاقِهِ كَمَا ذَكَرْنَا وَيُحْسَبُ ذَلكَ عَنْ الفَرْضِ فِي غُسْل المَيِّتِ خَاصَّةً لأَنَّ مَقْصُودَهُ التَّنْظِيفُ. هَذَا كَلامُ السَّرَخْسِيِّ.

وَهَذَا الذِي ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا مِنْ اسْتِحْبَابِ الكَافُورِ فِي كُل غَسْلةٍ هُوَ المَعْرُوفُ فِي المَذْهَبِ. وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ القَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي المُجَرَّدِ وَالبَغَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَخَلائِقُ مِنْ الأَصْحَابِ. وَنَصَّ عَليْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الأُمِّ وَالمُخْتَصَرِ. قَال فِي المُخْتَصَرِ وَيَجْعَل فِي كُل مَاءٍ قَرَاحٍ كَافُورًا وَإِنْ لمْ يَجْعَل إلا فِي الآخِرَةِ أَجْزَأَ ذَلكَ، هَذَا لفْظُهُ فِي مُخْتَصَرِ المُزَنِيِّ. وَقَال فِي الأُمِّ فِي بَابِ عِدَّةِ غُسْل المَيِّتِ: أَقَل مَا يُجْزِئُ مِنْ غُسْل المَيِّتِ الإِنْقَاءُ. كَمَا يَكُونُ ذَلكَ أَقَل مَا يُجْزِئُ فِي غُسْل الجَنَابَةِ. قَال: وَأَقَل مَا أُحِبُّ أَنْ يُغَسَّل ثَلاثًا فَإِنْ لمْ يُنَقَّ فَخَمْسًا فَإِنْ لمْ يُنَقَّ فَسَبْعًا. قَال وَلا يَغْسِلهُ بِشَيْءٍ مِنْ المَاءِ إلا أَلقَى فِيهِ كَافُورًا للسُّنَّةِ فَإِنْ لمْ يَفْعَل كَرِهْتُهُ وَرَجَوْتُ أَنْ يُجْزِئَهُ قَال وَلسْت أَعْرِفُ أَنْ يُلقَى فِي المَاءِ وَرَقُ سِدْرٍ وَلا طِيبٌ غَيْرُ كَافُورٍ وَلا غَيْرُهُ. وَلكِنْ يُتْرَكُ المَاءُ عَلى وَجْهِهِ وَيُلقَى فِيهِ الكَافُورُ. هَذَا نَصُّهُ بِحُرُوفِهِ. وَهُوَ جَمِيعُ البَابِ المَذْكُورِ.

وَأَمَّا قَوْل المُصَنِّفِ: وَيَجْعَل فِي الغَسْلةِ الأَخِيرَةِ شَيْئًا مِنْ الكَافُورِ وَتَخْصِيصُهُ بِالأَخِيرَةِ فَغَرِيبٌ فِي المَذْهَبِ، وَإِنْ كَانَ مُوَافِقًا لظَاهِرِ الحَدِيثِ، وَأَغْرَبُ مِنْهُ مَا ذَكَرَهُ الجُرْجَانِيُّ فِي التَّحْرِيرِ قَال: يُسْتَحَبُّ غَسْلهُ ثَلاثًا وَأَنْ يَكُونَ فِي الأُولى شَيْءٌ مِنْ سِدْرٍ، وَفِي الثَّانِيَةِ شَيْءٌ مِنْ كَافُورٍ، وَالثَّالثَةُ بِالمَاءِ القَرَاحِ، وَهَذَا الذِي قَالهُ غَلطٌ مُنَابِذٌ للحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَلنُصُوصِ الشَّافِعِيِّ وَالأَصْحَابِ.

قَال المُصَنِّفُ وَالأَصْحَابُ: وَالوَاجِبُ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ غُسْل مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَكَذَا النِّيَّةُ إنْ أَوْجَبْنَاهَا، وَلا يُحْسَبُ الغُسْل حَتَّى يَطْهُرَ مِنْ نَجَاسَةٍ إنْ كَانَتْ هُنَاكَ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذَا فِي غُسْل الجَنَابَةِ وَاَللهُ أَعْلمُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت