ج / 5 ص -79- الحَيَوَانِ. الثَّالثُ: الرُّوحُ الذِي إذَا فَارَقَ البَدَنَ لمْ يَكُنْ بَعْدَهُ حَيَاةٌ. قَال وَهُوَ المُرَادُ بِالنَّفْسِ فِي هَذَا الحَدِيثِ، قَال: كَأَنَّ نَفْسَ المُؤْمِنِ تُعَذَّبُ بِمَا عَليْهِ مِنْ الدَّيْنِ حَتَّى يُؤَدَّى، هَكَذَا قَالهُ الأَزْهَرِيُّ، وَالمُخْتَارُ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ نَفْسَهُ مُطَالبَةٌ بِمَا عَليْهِ وَمَحْبُوسَةٌ عَنْ مَقَامِهَا الكَرِيمِ حَتَّى يُقْضَى لا أَنَّهُ يُعَذَّبُ، لا سِيَّمَا إنْ كَانَ خَلفَهُ وَفَاءٌ وَأَوْصَى بِهِ، وَقَوْلهُ"الأَيِّمُ"هِيَ التِي لا زَوْجَ لهَا، بِكْرًا كَانَتْ أَمْ ثَيِّبًا. وَقَوْلهُ"فُجْأَةً"أَيْ بَغْتَةً مِنْ غَيْرِ مَرَضٍ وَلا نَزْعٍ وَنَحْوِهِ، وَفِيهَا لغَتَانِ أَفْصَحُهُمَا وَأَشْهَرُهُمَا بِضَمِّ الفَاءِ وَفَتْحِ الجِيمِ وَبِالمَدِّ، الثَّانِيَةُ فَجْأَةٌ بِفَتْحِ الفَاءِ وَإِسْكَانِ الجِيمِ.
أَمَّا الأَحْكَامُ: فَقَال الأَصْحَابُ: يُسْتَحَبُّ إذَا مَاتَ أَنْ يُغَمَّضَ عَيْنَاهُ وَتُشَدَّ لحْيَاهُ بِعِصَابَةٍ عَرِيضَةٍ تَجْمَعُهُمَا، ثُمَّ يَرْبِطَ فَوْقَ رَأْسِهِ وَيُليِّنَ مَفَاصِلهُ، فَيَمُدَّ سَاعِدَهُ إلى عَضُدِهِ ثُمَّ يَرُدَّهُ وَيَرُدَّ سَاقَهُ إلى فَخِذِهِ، وَفَخِذَهُ إلى بَطْنِهِ، وَيَرُدَّهُمَا وَيُليِّنَ أَصَابِعَهُ وَيَخْلعَ ثِيَابَهُ التِي مَاتَ فِيهَا بِحَيْثُ لا يُرَى بَدَنُهُ، ثُمَّ يَسْتُرَ جَمِيعَ بَدَنِهِ بِثَوْبٍ خَفِيفٍ وَلا يَجْمَعَ عَليْهِ أَطْبَاقَ الثِّيَابِ، وَيَجْعَل طَرَفَ هَذَا الثَّوْبِ تَحْتَ رَأْسِهِ، وَطَرَفَهُ الآخَرَ تَحْتَ رِجْليْهِ لئَلا يَنْكَشِفَ وَيُوضَعَ عَلى شَيْءٍ مُرْتَفِعٍ كَسَرِيرٍ وَلوْحٍ وَنَحْوِهِمَا وَيُوضَعَ عَلى بَطْنِهِ شَيْءٌ ثَقِيلٌ كَسَيْفٍ أَوْ مِرْآةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ الحَدِيدِ، فَإِنْ عُدِمَ فَطِينٌ رَطْبٌ، وَلا يُجْعَل عَليْهِ مُصْحَفٌ، وَيَسْتَقْبِل بِهِ القِبْلةَ كَالمُحْتَضَرِ، وَيَتَوَلى هَذِهِ الأُمُورَ أَرْفَقُ مَحَارِمِهِ بِأَسْهَل مَا يَقْدِرُ عَليْهِ.
قَال صَاحِبُ الحَاوِي وَغَيْرُهُ: وَيَتَوَلاهَا الرَّجُل مِنْ الرَّجُل، وَالمَرْأَةُ مِنْ المَرْأَةِ، فَإِنْ تَوَلاهُ أَجْنَبِيٌّ أَوْ مَحْرَمٌ مِنْ النِّسَاءِ، أَوْ تَوَلاهَا أَجْنَبِيَّةٌ أَوْ مَحْرَمٌ مِنْ الرِّجَال جَازَ وَيُسَارِعُ إلى قَضَاءِ دَيْنِهِ وَالتَّوَصُّل إلى إبْرَائِهِ مِنْهُ. هَكَذَا نَصَّ عَليْهِ الشَّافِعِيُّ وَالأَصْحَابُ. وَقَال الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: وَإِنْ كَانَ للمَيِّتِ دَرَاهِمُ أَوْ دَنَانِيرُ قُضِيَ الدَّيْنُ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ عَقَارًا أَوْ غَيْرَهُ مِمَّا يُبَاعُ سَأَل غُرَمَاءَهُ أَنْ يَحْتَالوا عَليْهِ ليَصِيرَ الدَّيْنُ فِي ذِمَّةِ وَليِّهِ وَتَبْرَأَ ذِمَّةُ المَيِّتِ، هَذَا لفْظُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَنَحْوُهُ فِي المَجْمُوعِ وَالتَّجْرِيدِ للمَحَامِليِّ، وَالعُدَّةِ للطَّبَرِيِّ، وَغَيْرِهَا مِنْ كُتُبِ أَصْحَابِنَا. وَقَال الشَّافِعِيُّ فِي الأُمِّ فِي آخِرِ بَابِ القَوْل عِنْدَ الدَّفْنِ إنْ كَانَ الدَّيْنُ يَسْتَأْخِرُ سَأَل غُرَمَاءَهُ أَنْ يُحَللوهُ وَيَحْتَالوا بِهِ عَليْهِ وَإِرْضَاؤُهُمْ مِنْهُ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ، هَذَا نَصُّهُ وَهُوَ نَحْوُ مَا قَالهُ أَبُو حَامِدٍ وَمُتَابِعُوهُ، وَفِيهِ إشْكَالٌ لأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ تَرَاضِيهِمْ عَلى مَصِيرِهِ فِي ذِمَّةِ الوَليِّ يَبْرَأُ المَيِّتُ. وَمَعْلومٌ أَنَّ الحَوَالةَ لا تَصِحُّ إلا بِرِضَاءِ المُحِيل وَالمُحْتَال، وَإِنْ كَانَ ضَمَانًا فَكَيْفَ يَبْرَأُ المَضْمُونُ عَنْهُ ثُمَّ يُطَالبُ الضَّامِنُ. ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ لمَّا ضَمِنَ الدَّيْنَ عَنْ المَيِّتِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَال"الآنَ بَرَدَتْ جِلدَتُهُ"حِينَ وَفَّاهُ لا حِينَ ضَمِنَهُ، وَيُحْتَمَل أَنَّ الشَّافِعِيَّ وَالأَصْحَابَ رَأَوْا هَذِهِ الحَوَالةَ جَائِزَةً مُبَرِّئَةً للمَيِّتِ فِي الحَال للحَاجَةِ وَالمَصْلحَةِ وَاَللهُ أَعْلمُ.
قَال الأَصْحَابُ: وَيُبَادَرُ أَيْضًا بِتَنْفِيذِ وَصِيَّتِهِ وَبِتَجْهِيزِهِ. قَال الشَّافِعِيُّ فِي الأُمِّ أُحِبُّ المُبَادَرَةَ فِي جَمِيعِ أُمُورِ الجِنَازَةِ، فَإِنْ مَاتَ فُجْأَةً لمْ يُبَادَرْ بِتَجْهِيزِهِ لئَلا تَكُونَ بِهِ سَكْتَةٌ وَلمْ يَمُتْ، بَل يُتْرَكُ حَتَّى يُتَحَقَّقَ مَوْتُهُ، وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ وَالأَصْحَابُ للمَوْتِ عَلامَاتٌ، وَهِيَ أَنْ تَسْتَرْخِيَ قَدَمَاهُ وَيَنْفَصِل زَنْدَاهُ، وَيَمِيل أَنْفُهُ وَتَمْتَدَّ جِلدَةُ وَجْهِهِ، زَادَ الأَصْحَابُ وَأَنْ يَنْخَسِفَ صُدْغَاهُ، وَزَادَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ، وَتَتَقَلصَ خُصْيَاهُ مَعَ تَدَلي الجِلدَةِ، فَإِذَا ظَهَرَ هَذَا عُلمَ مَوْتُهُ، فَيُبَادَرُ حِينَئِذٍ إلى تَجْهِيزِهِ. قَال الشَّافِعِيُّ: فَأَمَّا إذَا مَاتَ مَصْعُوقًا أَوْ غَرِيقًا أَوْ حَرِيقًا، أَوْ خَافَ مِنْ حَرْبٍ أَوْ سَبُعٍ أَوْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ، أَوْ فِي بِئْرٍ فَمَاتَ، فَإِنَّهُ لا