ج / 5 ص -77- الخامسة: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَقْبِل بِهِ القِبْلةَ، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَليْهِ، وَفِي كَيْفِيَّتِهِ المُسْتَحَبَّةِ وَجْهَانِ أحدهما: عَلى قَفَاهُ، وَأَخْمَصَاهُ إلى القِبْلةِ، وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ قَليلًا ليَصِيرَ وَجْهُهُ إلى القِبْلةِ، حَكَاهُ جَمَاعَاتٌ مِنْ الخُرَاسَانِيِّينَ وَصَاحِبَا الحَاوِي وَالمُسْتَظْهَرَيْ مِنْ العِرَاقِيِّينَ، وَقَطَعَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الجُوَيْنِيُّ وَالغَزَاليُّ وَغَيْرُهُمَا، قَال إمَامُ الحَرَمَيْنِ: وَعَليْهِ عَمَل النَّاسِ.
والوجه الثاني وَهُوَ الصَّحِيحُ المَنْصُوصُ للشَّافِعِيِّ فِي البُوَيْطِيِّ، وَبِهِ قَطَعَ جَمَاهِيرُ العِرَاقِيِّينَ، وَهُوَ الأَصَحُّ عِنْدَ الأَكْثَرِينَ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ: يُضْجَعُ عَلى جَنْبِهِ الأَيْمَنِ مُسْتَقْبِل القِبْلةِ كَالمَوْضُوعِ فِي اللحْدِ، فَإِنْ لمْ يُمْكِنْ لضِيقِ المَكَانِ أَوْ غَيْرِهِ فَعَلى جَنْبِهِ الأَيْسَرِ إلى القِبْلةِ، فَإِنْ لمْ يُمْكِنْ فَعَلى قَفَاهُ، وَاَللهُ أَعْلمُ.
وَاحْتَجَّ للمَسْأَلةِ الحَاكِمُ وَالبَيْهَقِيُّ بِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ"أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حِينَ قَدِمَ المَدِينَةَ سَأَل عَنْ البَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ رضي الله عنه فَقَالوا: تُوُفِّيَ وَأَوْصَى بِثُلثِهِ لك يَا رَسُول اللهِ وَأَوْصَى أَنْ يُوَجَّهَ إلى القِبْلةِ لمَّا اُحْتُضِرَ فَقَال رَسُول صلى الله عليه وسلم أَصَابَ الفِطْرَةَ، وَقَدْ رَدَدْتُ ثُلثَهُ عَلى وَلدِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ فَصَلى عَليْهِ، وَقَال: اللهُمَّ اغْفِرْ لهُ وَارْحَمْهُ وَأَدْخِلهُ جَنَّتَكَ وَقَدْ فَعَلت"قَال الحَاكِمُ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. قَال: وَلا أَعْلمُ فِي تَوْجِيهِ المُحْتَضَرِ إلى القِبْلةِ غَيْرَهُ.
فرع: يُسْتَحَبُّ لأَهْل المَرِيضِ وَمَنْ يَخْدُمُهُ الرِّفْقُ بِهِ وَاحْتِمَال الصَّبْرِ عَلى مَا يَشُقُّ مِنْ أَمْرِهِ، وَكَذَلكَ مَنْ قَرُبَ مَوْتُهُ بِسَبَبِ حَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ وَنَحْوِهِمَا. وَيُسْتَحَبُّ للأَجْنَبِيِّ أَنْ يُوصِيَهُمْ بِذَلكَ لحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ"أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَتْ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَهِيَ حُبْلى مِنْ الزِّنَا، فَقَالتْ: يَا رَسُول اللهِ أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَليَّ، فَدَعَا نَبِيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَليَّهَا فَقَال: أَحْسِنْ إليْهَا فَإِذَا وَضَعَتْ فَأْتِنِي بِهَا، فَفَعَل، فَأَمَرَ بِهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَشُدَّتْ عَليْهَا ثِيَابُهَا ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ، ثُمَّ صَلى عَليْهَا".
فرع: يُسْتَحَبُّ طَلبُ المَوْتِ فِي بَلدٍ شَرِيفٍ، لحَدِيثِ حَفْصَةَ رضي الله عنها قَالتْ: قَال عُمَرُ رضي الله عنه"اللهُمَّ اُرْزُقْنِي شَهَادَةً فِي سَبِيلك، وَاجْعَل مَوْتِي فِي بَلدِ رَسُولك صلى الله عليه وسلم فَقُلت أَنَّى يَكُونُ هَذَا؟ فَقَال: يَأْتِينِي بِهِ اللهُ إذَا شَاءَ"رَوَاهُ البُخَارِيُّ
فرع: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لا يُكْرَهَ المَرِيضُ عَلى الدَّوَاءِ وَغَيْرِهِ مِنْ الطَّعَامِ.
فرع: يُسْتَحَبُّ طَلبُ الدُّعَاءِ مِنْ المَرِيضِ، لحَدِيثِ عُمَرَ رضي الله عنه قَال: قَال رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم"إذَا دَخَلت عَلى مَرِيضٍ فَمُرْهُ فَليَدْعُ لك، فَإِنَّ دُعَاءَهُ كَدُعَاءِ المَلائِكَةِ"رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
فرع: يُسْتَحَبُّ وَعْظُ المَرِيضِ بَعْدَ عَافِيَتِهِ، وَتَذْكِيرُهُ الوَفَاءَ بِمَا عَاهَدَ اللهَ تَعَالى عَليْهِ مِنْ التَّوْبَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الخَيْرِ، وَيَنْبَغِي لهُ هُوَ المُحَافَظَةُ عَلى ذَلكَ، قَال اللهُ تَعَالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا} [الاسراء: 34] .