ج / 5 ص -71- وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَال"أَخَذَ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم بِمَنْكِبَيَّ فَقَال: كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ"وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُول"إذَا أَمْسَيْتَ فَلا تَنْتَظِرْ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلا تَنْتَظِرْ المَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِك لمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لمَوْتِكَ".
قَال المُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَمَنْ مَرِضَ اُسْتُحِبَّ لهُ أَنْ يَصْبِرَ لمَا رُوِيَ:"أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالتْ: يَا رَسُول اللهِ اُدْعُ اللهَ أَنْ يَشْفِيَنِي فَقَال إنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللهَ فَشَفَاكِ، وَإِنْ شِئْتِ فَاصْبِرِي وَلا حِسَابَ عَليْكِ، قَالتْ: أَصْبِرُ وَلا حِسَابَ عَليَّ"1وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَدَاوَى لمَا رَوَى أَبُو الدَّرْدَاءِ أَنَّ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم قَال:"إنَّ اللهَ تَعَالى أَنْزَل الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ، وَجَعَل لكُل دَاءٍ دَوَاءً فَتَدَاوَوْا وَلا تَدَاوَوْا بِالحَرَامِ"وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَمَنَّى المَوْتَ لمَا رَوَى أَنَسٌ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَال:"لا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ المَوْتَ لضُرٍّ2 نَزَل بِهِ، فَإِنْ كَانَ لا بُدَّ مُتَمَنِّيًا فَليَقُل: اللهُمَّ أَحْيِنِي مَا دَامَتْ الحَيَاةُ خَيْرًا لي، وَتَوَفَّنِي إذَا كَانَتْ الوَفَاةُ خَيْرًا لي"."
الشرح: حَدِيثُ المَرْأَةِ التِي طَلبَتْ رَوَاهُ البَغَوِيّ بِلفْظِهِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلمٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ"أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ أَتَتْ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالتْ إنِّي امْرَأَةٌ أُصْرَعُ، وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ فَادْعُ اللهَ لي، فَقَال: إنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلكِ الجَنَّةُ وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُعَافِيَكِ، فَقَالتْ: أَصْبِرُ".
وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَرَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلمٌ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ فِي كِتَابِ الطِّبِّ بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْفٌ، وَلمْ يُضَعِّفْهُ أَبُو دَاوُد، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ مَا لمْ يُضَعِّفْهُ فَهُوَ عِنْدَهُ صَحِيحٌ أَوْ حَسَنٌ.
قَال أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ: يُسْتَحَبُّ للمَرِيضِ وَمَنْ بِهِ سَقَمٌ وَغَيْرُهُ مِنْ عَوَارِضِ الأَبَدَانِ أَنْ يَصْبِرَ، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ دَلائِل الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلى فَضْل الصَّبْرِ، وَقَدْ جَمَعْتُ جُمْلةً مِنْ ذَلكَ فِي بَابِ الصَّبْرِ فِي أَوَّل كِتَابِ رِيَاضِ الصَّالحِينَ وَيَكْفِي فِي فَضِيلتِهِ قوله تعالى {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10] .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في"تهذيب الأسماء"و"اللغات"يقول النووي رحمه الله: في أول الجنائز من"المهذب"إن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو لها بالشفاء فقال: إن شئت دعوت لك - الحديث هذه المرأة هي ام زفر كذا قاله ابن با طيش. قلت قال الحافظ ابن حجر في"التهذيب"أم زفر السوداء لها ذكر في حديث عطاء قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى, فقال: هذه المرأة السوداء, أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أصرع وإني انكشف فذكر الحديث. وقال بن جريج أخبرني عطاء أنه رأى أم زفر تلك المرأة طويلة سوداء على سلم الكعبة. قلت: زعم ابن طاهر إنها هي المرأة التي تأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيكرمها, وقال الزبير: العجوز التي دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فحياها وقال: إنها كانت تأتينا زمن خديجة. قات فغايته أن تكون تلك المرأة تكنى أم زفر وأما كونها هي العجوز السوداء التي بقيت إلى أن رآها عطاء, فهذا يحتاج فيه ابن طاهر إلى دليل واضح, والذي عندي إنهما اثنتان ا ه من"تهذيب التهذيب".
2 في بعض نسخ المهذب (لضيق نزل به) (ط) .