ج / 4 ص -315- قال المصنف رحمه الله تعالى:"قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله: وَلَا يُجَمَّعُ فِي مِصْرٍ-وَإِنْ عَظُمَ وَكَثُرَتْ مَسَاجِدُهُ - إلَّا فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يُقِمْهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَا الْخُلَفَاءُ مِنْ بَعْدِهِ فِي أَكْثَرَ مِنْ مَوْضِعٍ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي بَغْدَادَ، فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: يَجُوزُ فِي مَوَاضِعَ؛ لِأَنَّهُ بَلَدٌ عَظِيمٌ، وَيَشُقُّ الِاجْتِمَاعُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَقَالَ أَبُو الطَّيِّبِ بْنُ سَلَمَةَ: يَجُوزُ فِي كُلِّ جَانِبٍ جُمُعَةٌ؛ لِأَنَّهُ كَالْبَلَدَيْنِ، وَلَا يَجُوزُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَتْ قُرًى مُتَفَرِّقَةً فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مِنْهَا جُمُعَةٌ، ثُمَّ اتَّصَلَتْ الْعِمَارَةُ فَبَقِيَتْ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ [وَإِنْ1 عُقِدَتْ جُمُعَتَانِ فِي بَلَدٍ إحْدَاهُمَا قَبْلَ الْأُخْرَى وَعُرِفَتْ الْأُولَى مِنْهُمَا نَظَرْتَ - فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إمَامٌ أَوْ كَانَ الْإِمَامُ مَعَ الْأُولَى -فَالْجُمُعَةُ هِيَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ بَاطِلَةٌ، وَبِأَيِّ شَيْءٍ يُعْتَبَرُ السَّبْقُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ أحدهما: بِالْفَرَاغِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِصَلَاتِهَا إلَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا، فَوَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ السَّبْقُ بِالْفَرَاغِ. والثاني: يُعْتَبَرُ بِالْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّهَا بِالْإِحْرَامِ تَنْعَقِدُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَنْعَقِدَ بَعْدَهَا جُمُعَةٌ - فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ مَعَ الثَّانِيَةِ فَفِيهِ قَوْلَانِ - أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْجُمُعَةَ هِيَ الْأُولَى؛ لِأَنَّهَا جُمُعَةٌ أُقِيمَتْ شُرُوطُهَا فَكَانَتْ هِيَ الْجُمُعَةَ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْجُمُعَةَ هِيَ الثَّانِيَةُ؛ لِأَنَّ فِي تَصْحِيحِ الْأُولَى افْتِيَاتًا عَلَى الْإِمَامِ وَتَفْوِيتًا لِلْجُمُعَةِ عَلَى عَامَّةِ النَّاسِ. وَإِنْ كَانَتْ الْجُمُعَتَانِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ إمَامٍ بَطَلَتَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ إحْدَاهُمَا أَوْلَى مِنْ الْأُخْرَى فَوَجَبَ إبْطَالُهُمَا كَمَا نَقُولُ فِيمَنْ جَمَعَ بَيْنَ أُخْتَيْنِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ هَلْ كَانَتَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي وَقْتَيْنِ بَطَلَتَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ كَوْنُهُمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ بِأَوْلَى مِنْ تَقَدُّمِ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَحُكِمَ بِبُطْلَانِهِمَا، وَإِنْ عُلِمَ أَنَّ إحْدَاهُمَا قَبْلَ الْأُخْرَى، وَلَمْ تَتَعَيَّنْ حُكِمَ بِبُطْلَانِهِمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ شَكَّ فِي إسْقَاطِ الْفَرْضِ، وَالْفَرْضُ لَا يَسْقُطُ بِالشَّكِّ. وَفِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ قَوْلَانِ أحدهما: تَلْزَمُهُمْ الْجُمُعَةُ إنْ كَانَ الْوَقْتُ بَاقِيًا؛ لِأَنَّ الَّتِي تَقَدَّمَتْ لَمَّا لَمْ تَتَعَيَّنْ لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهَا فَصَارَتْ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ والثاني: يُصَلُّونَ الظُّهْرَ؛ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا أَنَّ الْمُتَقَدِّمَ مِنْهُمَا جُمُعَةٌ صِحِّيَّةٌ فَوَجَبَ أَنْ يُصَلُّوا الظُّهْرَ احْتِيَاطًا، وَإِنْ عُلِمَتْ السَّابِقَةُ مِنْهُمَا ثُمَّ أَشْكَلَتْ حُكِمَ بِبُطْلَانِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّوَقُّفُ إلَى أَنْ تُعْرَفَ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى فَوَاتِ الْوَقْتِ أَوْ فَوَاتِهِمَا بِالْمَوْتِ، فَوَجَبَ الْحُكْمُ بِبُطْلَانِهِمَا، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ] ".
الشرح: قَوْلُهُ: يُجَمَّعُ هُوَ - بِضَمِّ الْيَاءِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَفِي بَغْدَادَ أَرْبَعُ لُغَاتٍ بِدَالَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ وَبِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ، وَبَغْدَانُ وَمَغْدَانُ، وَيُقَالُ لَهَا: مَدِينَةُ السَّلَامِ، وَسَبَقَ فِي بَيَانِهَا زِيَادَةٌ فِي مَسْأَلَةِ الْقُلَّتَيْنِ، وَهَذَا النَّصُّ ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ في"الأم"وَفِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ. قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: فَشَرْطُ الْجُمُعَةِ أَنْ لَا يَسْبِقَهَا فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ جُمُعَةٌ أُخْرَى، وَلَا يُقَارِنَهَا. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَقَدْ دَخَلَ الشَّافِعِيُّ بَغْدَادَ وَهُمْ يُقِيمُونَ الْجُمُعَةَ فِي مَوْضِعَيْنِ وَقِيلَ فِي ثَلَاثَةٍ فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْجَوَابِ عَنْ ذَلِكَ، وَفِي حُكْمِ بَغْدَادَ فِي الْجُمُعَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الثَّلَاثَةَ الْأُولَى مِنْهَا هُنَا، وَكَلَامُهُ فِي التَّنْبِيهِ يَقْتَضِي الْجَزْمَ بِالرَّابِعِ. أحدها: أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى جُمُعَةٍ فِي بَغْدَادَ جَائِزَةٌ وَإِنَّمَا جَازَتْ؛ لِأَنَّهُ بَلَدٌ كَبِيرٌ يَشُقُّ اجْتِمَاعُهُمْ فِي مَوْضِعٍ مِنْهُ، قَالَ أَصْحَابُنَا: فَعَلَى هَذَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى جُمُعَةٍ فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ الَّتِي تَكْثُرُ النَّاسُ فِيهَا،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 هذه القطعة الكبيرة ساقطة من ش و ق (ط)