فهرس الكتاب

الصفحة 1577 من 4102

ج / 4 ص -291- خُرُوجِهِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ"بَاكِرُوا بِالصَّدَقَةِ"وَقِيلَ: بَكَّرَ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى، وَابْتَكَرَ فَعَلَ فِعْلَ الْمُبْتَكِرِينَ مِنْ الصَّلَاةِ وَالْقِرَاءَةِ وَسَائِرِ وُجُوهِ الطَّاعَةِ وَقِيلَ مَعْنَى ابْتَكَرَ: فَعَلَ فِعْلَ الْمُبْتَكِرِينَ، وَهُوَ الِاشْتِغَالُ بِالصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم"وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ"فَقَدْ قَدَّمْنَا عَنْ حِكَايَةِ الْخَطَّابِيِّ عَنْ الْأَثْرَمِ أَنَّهُ لِلتَّأْكِيدِ، وَأَنَّهُمَا بِمَعْنًى، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ احْتِرَازٌ مِنْ شَيْئَيْنِ: أحدهما: نَفْيُ تَوَهُّمِ حَمْلِ الْمَشْيِ عَلَى الْمُضِيِّ وَالذَّهَابِ، وَإِنْ كَانَ رَاكِبًا والثاني: نَفْيُ الرُّكُوبِ بِالْكُلِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى مَشَى لَاحْتَمَلَ أَنَّ الْمُرَادَ وُجُودُ شَيْءٍ مِنْ الْمَشْيِ وَلَوْ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ، فَنَفَى ذَلِكَ الِاحْتِمَالَ، وَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ مَشَى جَمِيعَ الطَّرِيقِ، وَلَمْ يَرْكَبْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا، وَأَمَّا قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم"وَدَنَا وَاسْتَمَعَ"فَهُمَا شَيْئَانِ مُخْتَلِفَانِ. وَقَدْ يَسْتَمِعُ وَلَا يَدْنُو مِنْ الْخُطْبَةِ، وَقَدْ يَدْنُو وَلَا يَسْتَمِعُ فَنَدَبَ إلَيْهِمَا جَمِيعًا. وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم"وَلَمْ يَلْغُ"مَعْنَاهُ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ حَالَ الْخُطْبَةِ لَغْوٌ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: مَعْنَاهُ اسْتَمَعَ الْخُطْبَةَ وَلَمْ يَشْتَغِلْ بِغَيْرِهَا.

أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ: فَاتَّفَقَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَغَيْرُهُمْ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِقَاصِدِ الْجُمُعَةِ أَنْ يَمْشِيَ وَأَنْ لَا يَرْكَبَ فِي شَيْءٍ مِنْ طَرِيقِهِ إلَّا لِعُذْرٍ كَمَرَضٍ وَنَحْوِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

قال المصنف رحمه الله تعالى:"وَلَا يُشَبِّكُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم"إنَّ أَحَدَكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَ يَعْمِدُ إلَى الصَّلَاةِ"."

الشرح: هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ بَعْضُ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ السَّابِقِ:"إذَا أَتَيْتُمْ الصَّلَاةَ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَعْنَاهُ يَذْهَبُ فِي آخِرِ تَعَمُّدِهِ إلَى الصَّلَاةِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: مَعْنَى الْحَدِيثِ مَا دَامَ يَعْمِدُ إلَى الصَّلَاةِ فَلَهُ أَجْرٌ وَثَوَابٌ بِسَبَبِ الصَّلَاةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَأَدَّبَ بِآدَابِ الْمُصَلِّينَ، فَيَتْرُكَ الْعَبَثَ وَالْكَلَامَ الرَّدِيءَ فِي طَرِيقِهِ، وَالنَّظَرَ الْمَذْمُومَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَتْرُكُهُ الْمُصَلِّي."

أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ: فَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ وَغَيْرُهُمْ عَلَى كَرَاهَةِ تَشْبِيكِ الْأَصَابِعِ فِي طَرِيقِهِ إلَى الْمَسْجِدِ وَفِي الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهِ، وَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْعَبَثِ مَا دَامَ قَاصِدًا الصَّلَاةَ أَوْ مُنْتَظِرَهَا، وَاحْتُجَّ لَهُ بِحَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ"إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يُشَبِّكَنَّ يَدَهُ، فَإِنَّهُ فِي صَلَاةٍ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ: التَّشْبِيكُ يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ عَبَثًا وَبَعْضُهُمْ لِتُفَرْقِعَ أَصَابِعُهُ، وَرُبَّمَا قَعَدَ الْإِنْسَانُ فَاحْتَبَى بِيَدَيْهِ وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ، وَرُبَّمَا جَلَبَ النَّوْمَ فَيَكُونُ سَبَبًا لِنَقْضِ الْوُضُوءِ، فَنُهِيَ قَاصِدُ الصَّلَاةِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ مَا ذَكَرْنَاهُ لَا يَلِيقُ بِالْمُصَلِّي، وَلَا يُخَالِفُ هَذَا مَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شَبَّكَ أَصَابِعَهُ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ مَا سَلَّمَ مِنْ الصَّلَاةِ عَنْ رَكْعَتَيْنِ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ وَشَبَّكَ فِي غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ وَالْكَرَاهَةَ إنَّمَا هِيَ فِي حَقِّ الْمُصَلِّي وَقَاصِدِ الصَّلَاةِ، وَتَشْبِيكُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ كَانَ بَعْدَ سَلَامِهِ وَقِيَامِهِ إلَى نَاحِيَةٍ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت