فهرس الكتاب

الصفحة 1560 من 4102

ج / 4 ص -276- فرع:فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي وُجُوبِ الْإِنْصَاتِ حَالَ الْخُطْبَةِ وَتَحْرِيمِ الْكَلَامِ ذَكَرْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ الْكَلَامُ، وَبِهِ قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَدَاوُد، وَقَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ: يَحْرُمُ. وَاحْتُجَّ لَهُمْ بِقَوْلِهِ تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} (الأعراف: من الآية204) وَبِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: أَنْصِتْ - وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ - فَقَدْ لَغَوْتَ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ"دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ فَقَرَأَ سُورَةَ بَرَاءَةٍ، فَقُلْت لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: مَتَى نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ؟ فَلَمْ يُكَلِّمْنِي فَلَمَّا صَلَّيْنَا قُلْت لَهُ: سَأَلْتُكَ فَلَمَّا تُكَلِّمُنِي؟ فَقَالَ: مَا لَكَ مِنْ صَلَاتِكَ إلَّا مَا لَغَوْتَ، فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: صَدَقَ أَبِي"حَدِيثٌ صَحِيحٌ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَلِأَنَّ الْخُطْبَتَيْنِ بَدَلُ رَكْعَتَيْنِ فَحَرُمَ بَيْنَهُمَا الْكَلَامُ كَالصَّلَاةِ.

وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَكَلَّمَ فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مَرَّاتٍ وَبِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ:"دَخَلَ رَجُلٌ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى السَّاعَةُ؟ فَأَشَارَ إلَيْهِ النَّاسُ أَنْ اُسْكُتْ، سَأَلَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، كُلُّ ذَلِكَ يُشِيرُونَ إلَيْهِ أَنْ اُسْكُتْ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: وَيْحَكَ مَا أَعْدَدْتَ لَهَا"رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. وَعَنْ أَنَسٍ أَيْضًا قَالَ"بَيْنَمَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَ الْمَالُ وَجَاعَ الْعِيَالُ فَادْعُ اللَّهَ لَنَا، فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَذَكَرَ حَدِيثَ الِاسْتِسْقَاءِ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَأَجَابُوا عَنْ الْآيَةِ أَنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، هَذَا إنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ الْخُطْبَةُ، وَأَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي الْمُرَادِ. وَعَنْ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمُرَادَ بِاللَّغْوِ الْكَلَامُ الْفَارِغُ وَمِنْهُ لَغْو الْيَمِينِ، وَعَنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ الْمُرَادَ نَقْصُ جُمُعَتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى السَّاكِتِ. وَأَمَّا الْقِيَاسُ عَلَى الصَّلَاةِ فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهَا تَفْسُدُ بِالْكَلَامِ بِخِلَافِ الْخُطْبَةِ.

قال المصنف رحمه الله تعالى:"وَسُنَنُهَا أَنْ تَكُونَ عَلَى مِنْبَرٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِعْلَامِ، وَمِنْ سُنَنِهَا إذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"كَانَ إذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاسْتَقْبَلَ النَّاسَ بِوَجْهِهِ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ"وَلِأَنَّهُ اسْتَدْبَرَ النَّاسَ فِي صُعُودِهِ فَإِذَا أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ سَلَّمَ. وَمِنْ سُنَنِهَا أَنْ يَجْلِسَ إذَا سَلَّمَ حَتَّى يُؤَذِّنَ الْمُؤَذِّنُ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم"كَانَ إذَا خَرَجَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ جَلَسَ - يَعْنِي عَلَى الْمِنْبَرِ - حَتَّى يَسْكُتَ الْمُؤَذِّنُ ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ"وَيَقِفُ عَلَى الدَّرَجَةِ الَّتِي تَلِي الْمُسْتَرَاحَ لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقِفُ عَلَى هَذِهِ الدَّرَجَةِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَمْكَنُ لَهُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى قَوْسٍ أَوْ عَصًا؛ لِمَا رَوَى1 الْحَكَمُ بْنُ حَزْنٍ رضي الله عنه قَالَ"وَفَدْتُ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَشَهِدْنَا مَعَهُ الْجُمُعَةَ فَقَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى قَوْسٍ أَوْ عَصًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، كَلِمَاتٍ خَفِيفَاتٍ، طَيِّبَاتٍ مُبَارَكَاتٍ"وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَمْكَنُ لَهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ سَكَّنَ يَدَيْهِ، وَمِنْ سُنَنِهَا أَنْ يُقْبِلَ عَلَى النَّاسِ"

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 هو الحكم بن الحزن الكلفي وكلفة من تميم والحديث أخرجه ابن الأثير في"أسد الغابة"مطولا من طريق أبي يعلى الموصلي وقال في آخره أخرجه الثلاثة يعني ابن منده وأبا نعيم وأبا عمر ابن عبد البر (ط)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت