ج / 4 ص -273- يَجِبُ، وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ، وَقَطَعَ بِهِ أَيْضًا الْمَحَامِلِيُّ فِي كُتُبِهِ الثَّلَاثَةِ، وَسُلَيْمٌ الرَّازِيّ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ، وَقَطَعَ بِهِ قَبْلَهُمْ ابْنُ الْقَاصِّ فِي التَّلْخِيصِ، وَرَجَّحَ جُمْهُورُ الْخُرَاسَانِيِّينَ وُجُوبَهُ، وَقَطَعَ بِهِ شَيْخُهُمْ الْقَفَّالُ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ، وَصَاحِبُهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبَاهُ الْبَغَوِيّ وَالْمُتَوَلِّي، وَقَطَعَ بِهِ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ صَاحِبُ الْحَاوِي، وَرَجَّحَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: فَإِذَا قُلْنَا: يَجِبُ فَمَحِلُّهُ الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي مُخْتَصَرَيْ الْبُوَيْطِيِّ وَالْمُزَنِيِّ، فَلَوْ دَعَا فِي الْأُولَى لَمْ يُجْزِئْهُ، قَالُوا: يَكْفِي مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الدُّعَاءِ. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: أَرَى أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الدُّعَاءُ مُتَعَلِّقًا بِأُمُورِ الْآخِرَةِ. وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِتَخْصِيصِهِ بِالسَّامِعِينَ بِأَنْ يَقُولَ: رَحِمَكُمْ اللَّهُ، وَأَمَّا الدُّعَاءُ لِلسُّلْطَانِ فَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ، وَلَا يُسْتَحَبُّ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ بِدْعَةٌ1، إمَّا مَكْرُوهٌ وَإِمَّا خِلَافُ الْأَوْلَى، هَذَا إذَا دَعَا لَهُ بِعَيْنِهِ، فَأَمَّا الدُّعَاءُ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَوُلَاةِ أُمُورِهِمْ بِالصَّلَاحِ وَالْإِعَانَةِ عَلَى الْحَقِّ وَالْقِيَامِ بِالْعَدْلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلِجُيُوشِ الْإِسْلَامِ فَمُسْتَحَبٌّ بِالِاتِّفَاقِ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالدُّعَاءِ لِلسُّلْطَانِ بِعَيْنِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ مُجَازَفَةً فِي وَصْفِهِ وَنَحْوَهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 هذا إذا كان السلطان عادلا فما بالك إذا كان من الظالمين فإن الدعاء له حرام
فرع: هَلْ يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْخُطْبَةِ بِالْعَرَبِيَّةِ؟
فِيهِ طَرِيقَانِ أصحهما: وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ: يُشْتَرَطُ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مَفْرُوضٌ فَشُرِطَ فِيهِ الْعَرَبِيَّةُ كَالتَّشَهُّدِ وَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ مَعَ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم"صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي"وَكَانَ يَخْطُبُ بِالْعَرَبِيَّةِ والثاني: فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْمُتَوَلِّي، أَحَدُهُمَا هَذَا، وَالثَّانِي: مُسْتَحَبٌّ وَلَا يُشْتَرَطُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْوَعْظُ وَهُوَ حَاصِلٌ بِكُلِّ اللُّغَاتِ، قَالَ أَصْحَابُنَا: فَإِذَا قلنا: بِالِاشْتِرَاطِ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَنْ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ جَازَ أَنْ يَخْطُبَ بِلِسَانِهِ مُدَّةَ التَّعَلُّمِ، وَكَذَا إنْ تَعَلَّمَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ التَّكْبِيرَ بِالْعَرَبِيَّةِ، فَإِنْ مَضَى زَمَنُ التَّعَلُّمِ وَلَمْ يَتَعَلَّمْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَصَوْا بِذَلِكَ، وَيُصَلُّونَ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَلَا تَنْعَقِدُ لَهُمْ جُمُعَةٌ.
فرع: التَّرْتِيبُ بَيْنَ أَرْكَان الْخُطْبَةِ مَأْمُورٌ بِهِ، وَهَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أحدهما: وَبِهِ قَطَعَ جُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ وَغَيْرُهُمْ: لَيْسَ هُوَ بِشَرْطٍ فَلَهُ التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ، وَنَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ والثاني: أَنَّهُ شَرْطٌ فَيَجِبُ تَقْدِيمُ الْحَمْدِ، ثُمَّ الصَّلَاةِ، ثُمَّ الْوَصِيَّةِ، ثُمَّ الْقِرَاءَة، ثُمَّ الدُّعَاءِ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْمُتَوَلِّي وَقَالَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ: يَجِبُ تَقْدِيمُ الْحَمْدِ، ثُمَّ الصَّلَاةِ ثُمَّ الْوَصِيَّةِ، وَلَا تَرْتِيبَ بَيْنَ الْقِرَاءَةِ وَالدُّعَاءِ، وَلَا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ غَيْرِهِمَا، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْوَعْظُ، وَهُوَ حَاصِلٌ وَلَمْ يَرِدْ نَصٌّ فِي اشْتِرَاطِ التَّرْتِيبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: لَوْ أُغْمِيَ عَلَى الْخَطِيبِ فِي أَثْنَائِهَا أَوْ أَحْدَثَ - وَشَرْطُنَا الطَّهَارَةُ - فَهَلْ يَبْنِي عَلَيْهَا غَيْرُهُ، فِيهِ طَرِيقَانِ أصحهما: وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيّ وَصَحَّحَهُ الْمُتَوَلِّي أَنَّ فِيهِ قَوْلَيْنِ بِنَاءً عَلَى الِاسْتِخْلَافِ فِي الصَّلَاةِ