ج / 4 ص -214- وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا بِأَجْوِبَةٍ: أحدها وَهُوَ الْمَشْهُورُ تَسْلِيمُ أَنَّ الطَّائِفَةَ يَجُوزُ إطْلَاقُهَا عَلَى وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ الطَّائِفَةَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا تَكُونَ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ لقوله تعالى: {وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ} (النساء: من الآية102) وَقَالَ تَعَالَى فِي الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} (النساء: من الآية102) فَذَكَرَهُمْ بِلَفْظِ الْجَمْعِ فِي كُلِّ الْمَوَاضِعِ؛ وَأَقَلُّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ. وَأَمَّا الطَّائِفَةُ فِي قوله تعالى: {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ} (التوبة: من الآية122) "فَإِنَّمَا حَمَلْنَاهُ عَلَى الْوَاحِدِ لِلْقَرِينَةِ، وَهُوَ حُصُولُ الْإِنْذَارِ بِالْوَاحِدِ، كَمَا حَمَلْنَاهُ هُنَا عَلَى الثَّلَاثَةِ بِقَرِينَةٍ، وَهُوَ ضِمْنُ الْجَمْعِ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ الله تعالى فِي هَذِهِ الْآيَةِ"فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ"فَأَعَادَ عَلَى الطَّائِفَةِ ضَمَائِرَ الْجَمْعِ، وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ ذَلِكَ كَوْنُ الطَّائِفَةِ ثَلَاثَةً فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْجَمْعَ هُنَا عَلَى عَوْدِ الضَّمَائِرِ إلَى الطَّوَائِفِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا قَوْلُهُ تعالى: {مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ} قَالَ أَصْحَابُنَا: وَتُكْرَهُ صَلَاةُ الْخَوْفِ إذَا كَانُوا خَمْسَةً سِوَى الْإِمَامِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَلَا تَزُولُ الْكَرَاهَةُ حَتَّى يَكُونُوا سِتَّةً، فَإِذَا كَانُوا خَمْسَةً أَوْ أَقَلَّ صَلَّى مَعَهُمْ جَمِيعَ الصَّلَاةِ ثُمَّ انْصَرَفُوا وَجَاءَ الْآخَرُونَ فَصَلَّوْا لِأَنْفُسِهِمْ جَمَاعَةً. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ: فَإِنْ خَالَفَ وَصَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ الْخَوْفِ، وَهُمْ خَمْسَةٌ فَأَقَلُّ أَسَاءَ وَكُرِهَ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ وَصَحَّتْ صَلَاةُ الْجَمِيعِ"
قال المصنف رحمه الله تعالى:"وَإِنْ كَانَ الْعَدُوُّ مِنْ نَاحِيَةِ الْقِبْلَةِ لَا يَسْتُرُهُمْ عَنْهُمْ شَيْءٌ وَفِي الْمُسْلِمِينَ كَثْرَةٌ صَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِعُسْفَانَ، فَيُحْرِمُ بِالطَّائِفَتَيْنِ، وَيَسْجُدُ مَعَهُ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، فَإِذَا رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ سَجَدَ الصَّفُّ الْآخَرُ، فَإِذَا سَجَدَ فِي الثَّانِيَةِ حَرَسَ الصَّفُّ الَّذِي سَجَدَ فِي الْأُولَى وَسَجَدَ الصَّفُّ الْآخَرُ، فَإِذَا رَفَعُوا سَجَدَ الصَّفُّ الْآخَرُ؛ لِمَا رَوَى جَابِرٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى هَكَذَا".
الشرح: حَدِيثُ جَابِرٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَحَدِيثُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عَيَّاشٍ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتٍ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ الزُّرَّقِي الصَّحَابِيُّ الْأَنْصَارِيُّ، وَاسْمُهُ زَيْدُ بْنُ الصَّامِتِ. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَحَدِيثُهُ صَحِيحٌ، وَلَكِنَّ لَفْظَ رِوَايَةِ جَابِرٍ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ وَلَفْظَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي عَيَّاشٍ فِيهَا كُلِّهَا مُخَالَفَةٌ؛ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَأَلْفَاظُهَا كُلُّهَا مُتَقَارِبَةٌ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ"شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَاةَ الْخَوْفِ فَصَفَفْنَا صَفَّيْنِ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَالْعَدُوُّ بَيْنَنَا وَبَيْن الْقِبْلَةِ فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَكَبَّرْنَا جَمِيعًا فَرَكَعَ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفْعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ وَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم السُّجُودَ وَقَامَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ انْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ، وَقَامُوا ثُمَّ تَقَدَّمَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ وَتَأَخَّرَ الصَّفُّ الْمُقَدَّمُ؛ ثُمَّ رَكَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ الَّذِي كَانَ مُؤَخَّرًا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم السُّجُودَ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ انْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ فَسَجَدُوا، ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَسَلَّمْنَا جَمِيعًا"هَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ وَكُلُّ طُرُقِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مُتَّفِقَةٌ عَلَى تَأَخُّرِ الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ وَتَقَدُّمِ الْمُؤَخَّرِ بَعْدَ سُجُودِهِ فِي الْأُولَى