ج / 1 ص -19- نَصِّ الشَّافِعِيِّ قَالَ: وَالْأَظْهَرُ وَاخْتِيَارُ صَاحِبَيْ"الحاوي"وَ"المهذب"وَغَيْرِهِمَا الشَّرْعِيَّةَ. قُلْتُ: هَذَا الثَّانِي هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ الْأَصْحَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فرع: قَوْلُهُ: رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِعَائِشَةَ: رضي الله عنها هَذِهِ عِبَارَةٌ جَيِّدَةٌ؛ لِأَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، فَيُقَالُ فِيهِ: رُوِيَ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ، وَعَائِشَةُ رضي الله عنها تُكَنَّى أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ كُنِّيَتْ بِابْنِ أُخْتِهَا أَسْمَاءَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَهِيَ عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَمِيمِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ الْقُرَشِيَّةُ التَّمِيمِيَّةُ، تَلْتَقِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فِي مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ، وَسَبَقَ بَاقِي نَسَبِهَا فِي نَسَبِ رَسُولِ اللَّهِ أَوَّلَ الْكِتَابِ، وَمَنَاقِبُ عَائِشَةَ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ ذَكَرْتُ مِنْهَا جُمْلَةً صَالِحَةً فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ. تُوُفِّيَتْ سَنَةَ ثَمَانٍ وَقِيلَ: تِسْعٍ وَقِيلَ: سَبْعٍ وَخَمْسِينَ بِالْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَتَزَوَّجْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِكْرًا غَيْرَهَا، وَأَقَامَتْ عِنْدَهُ تِسْعَ سِنِينَ، وَتُوُفِّيَ وَهِيَ بِنْتُ ثَمَانِ عَشْرَةَ.
وقول المصنف:"قَصَدَ إلَى تَشْمِيسِهِ"صَحِيحٌ، وَزَعَمَ بَعْضُ الْغَالِطِينَ أَنَّهُ لَا يُقَالُ قَصَدَ إلَى كَذَا بَلْ قَصَدَ كَذَا، وَهَذَا خَطَأٌ بَلْ يُقَالُ: قَصَدْتُهُ وَقَصَدْتُ إلَيْهِ وَقَصَدْتُ لَهُ، ثَلَاثُ لُغَاتٍ حَكَاهُنَّ ابْنُ الْقَطَّاعِ وَغَيْرُهُ. وَمِنْ أَظْرَفِ الْأَشْيَاءِ: أَنَّ اللُّغَاتِ الثَّلَاثَ اجْتَمَعَتْ مُتَوَالِيَةً فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ فِي"صحيح مسلم"فِي نَحْوِ سَطْرٍ، عَنْ جُنْدُبِ الْبَجَلِيِّ: رضي الله عنه"أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ كَانَ إذَا شَاءَ أَنْ يَقْصِدَ إلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَصَدَ لَهُ فَقَتَلَهُ. وَأَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَصَدَ غَفْلَتَهُ"، وَهَذَا نَصُّهُ بِحُرُوفِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: كَمَا لَا يُكْرَهُ مَاءٌ تَشَمَّسَ فِي الْبِرَكِ وَالْأَنْهَارِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ لِعَدَمِ إمْكَانِ الصِّيَانَةِ وَتَأْثِيرِ الشَّمْسِ .
قَالَ المصنف رحمه الله تعالى: فَإِنْ1 تَطَهَّرَ مِنْهُ صَحَّتْ طَهَارَتُهُ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ لِخَوْفِ الضَّرَرِ، وَذَلِكَ2 لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْوُضُوءِ كَمَا لَوْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ3 يَخَافُ مِنْ حَرِّهِ أَوْ بَرْدِهِ.
الشرح: أَمَّا صِحَّةُ الطَّهَارَةِ فَمُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ لِخَوْفِ الضَّرَرِ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْوُضُوءِ مَعْنَاهُ: أَنَّ النَّهْيَ لَيْسَ رَاجِعًا إلَى نَفْسِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، بَلْ لِأَمْرٍ خَارِجٍ وَهُوَ الضَّرَرُ، وَإِذَا كَانَ النَّهْيُ لِأَمْرٍ خَارِجٍ لَا يَقْتَضِي الْفَسَادَ عَلَى الصَّحِيحِ الْمُخْتَارِ لِأَهْلِ الْأُصُولِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ، فَإِنْ قِيلَ: لَا حَاجَةَ إلَى قَوْلِهِ: لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ كَرَاهَةَ التَّنْزِيهِ لَا تَمْنَعُ الصِّحَّةَ قُلْنَا: هَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ نَهْيٌ مَانِعٌ مِنْ الصِّحَّةِ، سَوَاءٌ كَانَ نَهْيَ تَحْرِيمٍ أَوْ تَنْزِيهٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِأَمْرٍ خَارِجٍ، فَلِهَذَا عَلَّلَ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّهُ لِأَمْرٍ خَارِجٍ، وَمِمَّا حُكِمَ فِيهِ بِالْفَسَادِ لِنَهْيِ التَّنْزِيهِ الصَّلَاةُ فِي وَقْتِ النَّهْيِ، فَإِنَّهَا كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ وَلَا تَنْعَقِدُ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَمَّا قَوْلُهُ: كَمَا لَوْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ يَخَافُ حَرَّهُ أَوْ بَرْدَهُ فَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ يُكْرَهُ وَيَصِحُّ الْوُضُوءُ، وَهَذَانِ الْأَمْرَانِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا عِنْدَنَا وَدَلِيلُ الْكَرَاهَةِ: أَنَّهُ يَتَعَرَّضُ لِلضَّرَرِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ اسْتِيفَاءُ الطَّهَارَةِ عَلَى وَجْهِهَا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في نسخة"المهذب"للركبي (فإن خالف وتوضأ به صح الوضوء ) (ط)
2 في نسخة الركبي (فلم يمنع ) (ط)
3 في الركبي (بما يخاف) (ط)